مع كثرة ما يتم تداوله بين المثقفين والأكاديميين وأصحاب الرأي في وسائل الإعلام الجديد والتقليدي، من أهمية احترام الرأي الآخر والرد بالحجة والمنطق السليم دون المساس بالأشخاص، نجد أن أكثر من يتجاوز هذه المحددات الأخلاقية، بل ويطأها بقلمه أو لسانه في أول موقف يختبر فيه هم أولئك "المدندنون" حول هذه القيم. فمن يتابع الكثير من الصراعات الفكرية الهزيلة التي تحفل بها وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام، يصل إلى نتيجة واحدة، هي أن هؤلاء تجاوزوا المناكفات الشخصية والهمز واللمز، بل وتبادل الشتائم الرخيصة، إلى مرحلة أخرى هي ما يمكن وصفها بمرحلة "المرض من الآخر".

فبعضهم تحولت لديه وسائل إعلام معينة أو أشخاص محددون إلى "مرض لا يرجى برؤه منه"، فتجده يلاحق ويحلل كل شاردة أو واردة تصدر من خصمه، والأخطر أنه يؤول كل رأي أو خبر حسب ما يريده هو، وكما يمليه عليه تصوره الذهني المسبق عن الشخص أو الوسيلة الإعلامية، لا كما هو الواقع.

وقد حدث قبل أيام أن إحدى وسائل الإعلام الخبرية (قناة فضائية) بثت خبرا وصورة عن حزن عدد من الصهاينة الإسرائيليين، على مقتل بعض جنودهم، وكانت الصورة من تشييعهم في المقبرة، فانطلق ثلة من خصوم تلك القناة، لتأويل الأمر على أنه تضامن مع الإسرائيليين وبث لأحزانهم، ونسي هؤلاء أنهم قبل ساعات من هذه الصورة والخبر كانوا يتهمون القناة بأنها ترفع معنويات الجيش الإسرائيلي بما وصفوه بـ"إخفاء حقيقة خسائرهم"، وعندما نبهوا ـ من بعض الذين يرون المشهد كما هو، دون تعمية مقصودة ـ إلى أن رأيهم السابق يناقض رأيهم الحالي حول الخبر والقناة، صمتوا، وكأنهم أدركوا أنهم وقعوا في حفرة التناقض. وكل هذا لأنهم انساقوا وراء "مرض" الانطباع النفسي المسبق، الذي بثه فيهم بعض من ابتلوا به ممن يحملون صفة "الأكاديميين" وهم في الحقيقة مجرد حركيين لا تهمهم الحقيقة، بقدر ما تهمهم تصفية الحسابات الشخصية مع فلان أو علان.

المهم هنا هو التأكيد على أن نقد وتحليل مضامين ما تبثه جميع وسائل الإعلام بشفافية وموضوعية، أمر غاية في الأهمية، لتوعية الناس بخطورة تشكيل الرأي العام، والأهم بيان مواطن الخلل في طرح أية وسيلة إعلام. لكن بشرط أن يكون ذلك بموضوعية وعلمية ومصداقية، وإبعاد الموقف الشخصي أو الانتصار للذات، حتى يكون صاحب الطرح مؤثرا ومفيدا للمتلقي. فالمشكلة أن "المرض من الآخر" يلغي أي رأي نزيه يكشف السلبيات والإيجابيات دون مواربة، ويفضح صاحبه في أول تجربة واقعية.