عندما أزور بلاد الله الواسعة، أحاول دائما أن أرسم في مخيلتي تصورا عاما عن تلك الدولة، وذلك من خلال أهم التصرفات

والعادات التي ألحظها على مواطنيها، ففي إيطاليا مثلا لا يمكن للإيطالي أن يتحدث لشخص آخر، دون أن يلوح بيديه يمينا ويسارا،

وكأنه في حالة شجار، فصوته عال، ونبرته توحي بأن هناك إشكالا يحتاج لحل عاجل، ورغم أني أفهم اللغة جيدا، إلا أني كثيرا ما أنسى أن ذلك التلويح لا يتجاوز أن يكون عادة اجتماعية، وكما يقول الإيطاليون مازحين: إنك إن أردت أن تسكت إيطاليا، فما عليك إلا أن تمسك يديه.

في فرنسا مثلا، عليك ألا تتوقع أن يرد عليك الفرنسي في حال تحدثت معه باللغة الإنجليزية، فهم فخورون لحد العنصرية بلغتهم، وفي أميركا عليك ألا تحاول أن تستخف دمك إن كنت عربيا في اللعب بالألفاظ حول "ابن لادن" وجماعته؛ لأنهم سيقومون في لمح البصر بوضعك في صندوق "بطاطا"، وإرسالك بالبريد المستعجل إلى "جوانتانامو"، فقد أصبح الشعب الأميركي منذ أحداث سبتمبر، فاقدا لروح دعابة العربي.

أما في السعودية "بلادي الحبيبة"، فلعل أشهر ما يميز بعض مواطنيها هو قدرتهم على "البحلقة"، وهي "النظر إلى الشيء دون توقف"، وبطريقة استفزازية بعيدة عن الذوق والآداب العامة.

فتجد الرجل عند إشارة المرور مثلا، ومن اللحظة التي تتوقف فيها سيارته، يبدأ في النظر يمينا ويسارا، مستخدما عينيه استخدام الرادار، يبحث عن شيء ليبحلق فيه، حتى يضيع به تلك الدقائق التي سيقضيها متوقفا، وكم سيكون سعيدا لو وجد مثلا وجه امرأة كاشفة أو متنقبة فلا فرق لديه، أو سيارة غريبة أو رجلا أجنبيا من بلاد العم "سام"، أو شابا بقَصة شعر غريبة، أو هنديا يحاول قطع الشارع، أو.. أو.. أو.

لا شك في أن هذه العادة المستفزة وغير المؤدبة استشرت بيننا للأسف، بحيث أصبحت من أشهر ما يميز السعودي، فلا يمكنك أن تسلم من عيون هؤلاء المبحلقين، لا في سوق ولا في سيارة ولا في مبنى حكومي.

ولا أبالغ في قولي: إن هذه العادة لحقتنا حتى في بيوت الله، فمن اللحظة التي تدخل فيها المسجد، تبدأ العيون في النظر إليك، محاولين اكتشاف جنسيتك، وطبقتك الاجتماعية، وكم تتقاضى راتبا، وما اسم أمك!.