أعتقد شخصيا، وبعد يومين من إعادة الاستنباط والقراءة، أن أهم جملة استقرائية في الخطاب التاريخي لخادم الحرمين الشريفين كانت قوله: "كل ما أخشاه أن يولد جيل جديد يتربى على العنف والتطرف". واسمحوا لي إن قلت اليوم، وبثقة، إن هذا الجيل قد ولد بالفعل.
وكم هي الدهشة، ومن شواهد البراهين، ألا نقرأ الخبر الشارد من أن سبع شركات طيران عربية وعالمية قد ألغت مسارات رحلاتها فوق كل شمال الخارطة العربية الآسيوية، وكل ما أخشاه في وقت آت قريب، أن تنشأ أجيال تحلم برؤية طائرة في الأجواء، ولك من المفارقة أن شعبا مثل ليبيا يتفرج على طائراته المليارية الثمن، وهي تحترق واحدة تلو الأخرى، ثم يردد المجاهدون بصوتهم المدوي "الله أكبر" مع بدء الحريق في كل طائرة.
نعم، لقد وُلد جيل العنف والتطرف بالفعل، وما العراق وسورية ولبنان وليبيا واليمن، إلا أمثلة حية على فرحة هذا الجيل بمساحات هائلة من عبث التدريب على القتل والسحل وقطع الرؤوس. جيل ظامئ إلى الدم فجاءته بشائر "الجحيم العربي" على طبق من فضة.
نعم لقد وُلد هذا الجيل. كنت في بهو الفندق بالرياض قبل أشهر عندما جاءني مواطن ستيني يشتكي بصوت تسبقه الدموع من أن 17 فردا من أبنائه وأبناء إخوته وأقرباء دمه المباشر، إما بالسجون أو على قوائم المطلوبين أو مشردين من جوانتانامو إلى باجرام، ومن العراق إلى مجاهل سورية. كان يشتكي كل أولئك الذين دفعوا بهذه العوائل "من عائلة واحدة" إلى هذه المأساة.
كان يشكو معلم المدرسة، وخطباء المخيم، وكتاب الأعمدة. نحن جميعا لم ندرس هذا المثال الصارخ من قصة عائلة واحدة تقف شاهدا على ولادة جيل العنف والتطرف.
نحن لم نقرأ الأسباب التي أودت بسبعة شباب من نسل ثلاثة أشقاء انقسموا ما بين داعش والنصرة على الرغم من كل ما بين التنظيمين من العداء المعلن، وباسم هذا الدين العظيم يتقاتل أبناء العمومة من أبنائنا في حروب ضاعت بها الراية.
نحن، وكيلا نخدع أنفسنا ونكذب عليها، نعرف أن لدينا قرى بأكملها تتشارك الانقسام الخفي بين الخوف من داعش وبين "الدواعش" المستقرة التي تنتظر أي فرصة لتجعلنا نسخة من الموصل أو مطار طرابلس. نحن نعرف أن لدينا مئات خطباء الجمعة الذين امتنعوا عن الحديث عن كل هذه القصص المأساوية، ورفضوا خطبة "فضح داعش"؛ لأنهم لا يريدون خسارة الانتشار الشعبوي لهذا الجيل الوليد من العنف والتطرف.