واستكمالاً لما قلته بالأمس عن ولادة جيل جديد يتربى على العنف والتطرف، فسأقول اليوم: نحن نخطئ في توصيف ومسببات هذه الظاهرة. ودائماً ما تلجأ أدبيات معالجة ظاهرة التطرف إلى نعتها بالسبب الذي يرى أن هناك أشخاصاً، سواء كانوا أفراداً أو جماعات، هم من يقف خلف تغذية أجيال كاملة بمثل هذه الأفكار. هذا السبب قد يكون صحيحاً بشكل جزئي لكنه لا يمثل كل هذه الظاهرة الحقيقية التي لا يستطيع أحد أن يجاهر بها وهي أن كثافة الخطاب الديني في التعليم أو في المخيمات والمناشط قد تكون سبباً لظاهرة التطرف. خذ مثلاً أن إحصاءات الجهة المختصة تشير إلى أن العام الماضي وحده قد شهد 26 مليون منشط ديني من المطوية بحجم الكف الصغير إلى المخيم الذي يتسع للآلاف في الأسبوع. قراءة هذا الرقم وحده يؤكد استحالة قدرة القاعدة السلفية التقليدية السعودية على ملء هذه المناشط بعشرات الملايين، وبالتالي نحن نضطر إلى ملء هذه المناشط وتسيير برامجها من المؤكد بالاستقدام وهو استقدام فكري في هذه الحالة. وفي مثل هذه الظروف أصبحت السلفية التقليدية في شخوص علمائنا الربانيين ومنهجنا الديني "السعودي القديم" مجرد نقطة في نهر جارف. خذ بالمثال أن الفترة ما بين 1980 – 2000 قد شهدت افتتاح ما يقرب من 150 قسماً للدراسات الإسلامية أو لكلية الشريعة، وأن هذه الأقسام وحدها تستقطب ما يقرب من عُشر طلاب التعليم الجامعي، وهذا العدد الهائل من الأقسام والطلاب قد يضطرنا إلى استقدام كل الأفكار والمذاهب والطرق والملل لملء الحصص والمحاضرات الدراسية، هنا أصبنا بأكبر كارثة غزو ثقافي، مع أسفي على هذا المصطلح الصادم، ولكنه أصاب سماحة واعتدال المنهج السعودي في مقتل.

خذ السرورية كمثال، فقد ابتدأت ذات يوم كتعبئة لفراغات دراسية في الحصص والجدول، ولم نكن نظن أن باستطاعة فرد أن يكون له هذا الأثر والتأثير في منهج وتدين شعب. هي من وجهة نظري أول ولادة سعودية لجيل الأفكار السياسية كمدخل للتطرف في المجتمع السعودي.