لو جمعت كل التوقعات ورصدت كل تحليلات الخبراء خلال السنوات العشر الماضية، لما وجدت فيها ما يشير إلى وضع المنطقة الراهن.
بل لو قدر لك أن تستقرئ أفكار الناس من خلال استبانة ترصد المتوقع، وتستكنه المستقبل وتستشرف الآتي فإنك حتماً لن تجد أن أحداً قد رصد أو استكنه أو استشرف ما يحدث الآن في العالم العربي، وحتى مراكز الدراسات وأبحاث الخبراء وأساطين السياسة لم يتوقعوا في كوابيس أحلامهم هذه الأوضاع العائمة والمرتعشة.
وأزيد من ذلك أن كل الخرائط الافتراضية التي تسربت الآن وصرنا نراها من خلال الوسائط، والتي ترسم بعض سيناريوهات التقسيم والتفتيت للمنطقة، لا تعدو كونها حقيقة، وبالتالي فإن أجهزة الاستخبارات والعملاء المزدوجين على علم بها، وبالتالي إدراك ما يحاك للمنطقة على نحو كان يمكن تلافيه.
والاحتمال الآخر أنها خرائط أنتجتها مراكز الدراسات والأبحاث خلال هذه الفترة استنتاجاً واستجابة لرؤية ما يحدث على الأرض.
لكن الخلاصة هي أن العالم العربي لم يمر – سابقاً – بمثل هذه المرحلة من التخبط والتفكك كما لم تنبت الخلافات وتنمو بين القيادات العربية كما هي عليه الآن.
وهذا ما يثير الحيرة ويذهب البصيرة بطريقة لا يملك معها المواطن العربي العاقل إلا التنحي والابتعاد عن الانحياز وتسجيل المواقف: مع أو ضد.
على أن الواقع يشير إلى عكس ذلك فقد جرت هذه الفتن التي تشوش عقول الناس والعامة إلى الانقسام والانحياز والتطرف في المواقف بحيث صار الانتصار والانحياز لا يحكمه المنطق والعقل، وإنما تقوده الطائفية أو المناطقية أو الجنسية، وقد انقسم الناس إلى أكثر من فسطاط وأكثر من موالاة، وصار المواطن العربي يتحسر على ما كان – رغم سوئه – من التفاهم والتنسيق العربي المشترك وعلى ما كان من الحد الأدنى من توحد القرارات والقضايا.
أما الآن فالقضايا عدة، والعدو الواحد صار أعداء، والجيوش صارت أحزابا ومنظمات وميليشيات وجبهات تعادي بعضها الآخر، وصار الاستقرار العربي مطمعا لكثير من الدول والأنظمة التي صارت لا تحكم إلا بعض الكيلومترات المحيطة بالقصور الرئاسية وما يتعداها صار تحت سيطرة الميليشيات المحلية المتناحرة.
بقي أن أقول أيها السعودي، وأيها المواطن الخليجي: انظر حولك حيثما يممت بصرك، واحمد ربك على نعمة الأمن والاستقرار، وعض على هذه الهبة الربانية بالنواجذ، ولا تنس أن تدعو في ظهر الغيب لبقية الجيران والأشقاء ليعود لهم الأمن والأمان.