من يعتقد أن السلاح الإعلامي العربي بات كاملا مكتملا بمتناول الخليج، بعد سطوة "العربية والجزيرة" على الرأي والرأي الآخر العربيين حينما نقلت المتابعة من بلاد الشام ومصر إلى ركنين صغيرين في دبي والدوحة، فهو ما زال واهما، لأن الأداة خليجية، لكن الفعل والفكر والتصرف وحتى المراسل والمصور هي من بلاد التأثير الإعلامي الأول.

ولن ننكر أن القناتين المذكورتين أصبحتا طرفا فاعلا في الساحة العربية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، لكن الحقيقة أن الأموال تنشئ الإعلام الذي يريده أصحاب الأموال أو أصحاب الحظوة السياسية فقط، سواء في لندن ونيويورك أو حتى الدوحة ودبي، إلا أن الرأي الإعلامي الصادر من داخلها ما زال ينطلق من أهل الشام وشمال أفريقيا، حتى وإن كثرت أخبار صاحب المال، فتأثير الشاميين والشماليين حاضر بقوة ولا جدال فيه.

لن نستعرض النافذين من العاملين رسميا داخل القنوات ففي ذلك أسطر كثيرة، لكن ما يهمنا هنا أصحاب الرأي والتوجه التأثيري الأكبر ممن يحضرون كثيرا كمستشارين أو ضيوف على القنوات الخليجية جميعها، من أولئك الذين أدركوا التغيير فانتقلوا بفكر صحفهم الورقية من البلاد المذكورة إلى القنوات التلفزيونية، وباتوا يتقافزون "كل يريد مغنما" من قناة إلى أخرى، وأصبح حضورهم أكثر من بعض مذيعي القنوات، ولا بأس إن اختلف خطابهم بين ليلة وضحاها، لأنه لم يكن من الشيم ولا المراجل أن يتخلوا عن حضورهم وإن تنقلوا بين المتناوئين، لذا كانت لهم سطوة وجولة خلف الكواليس بتأثير فاعل وبمداخيل مالية أفضل، ولا خشية من الانقلاب الفكري المباغت لتحقيق مصالح قادمة آنية، ولا ضير من الركض بين المطارات صوب القنوات والوجهاء والشخصيات النافذة في الخليج.

لم يتخلوا عن مبادئهم رغم اختلاف الوسائل وكثرة الاختلافات، فما زالوا يمارسون الارتزاق والابتزاز، ولا بأس من بعض العهر الإعلامي، فإن غاب "مشتري ذمم إعلامية" فغيره كثيرون يؤمنون المال والرحلات السياحية المدفوعة بسخاء، هم الآن يجدون في الشخصيات الخليجية الصاعدة سبيلا فتجدهم حاضرين على مقاعد طائراتهم، باتوا من فرط تنازلاتهم كالأراجيز يبحثون عما يضحك المعني ويحنن قلبه عليهم، أليس لكل شيء قيمة؟

يحكي لي زميل ممن عمل مع إحدى الشخصيات الاعتبارية عن ثلاثة كان يعتقد بقيمتهم العالية ممن تتصدر مقالاتهم كبريات الصحف العربية وتحليلاتهم الفضائيات الأكبر عربيا، حتى شاهدهم عند هذه الشخصية يتسابقون كالمهرجين، كل يريد أن يكون أكثر وصلا بليلى، ويكمل أن ضربت كفا بكف على خيلاء كنت أعيشها عبر مقالات وتحليلات تلفزيونية سابقة لهؤلاء المهرجين!

الاسترزاق الإعلامي أو سمه، إن شئت، "التسول الإعلامي"، ما زال يتنقل بأريحية بين الفضائيات العربية بعناوين مختلفة، ولأننا عرب تم حقننا بأن "جهاد التكسب" و"عماد المصلحة" و"سمير الليل" تبحث عن مصلحة العرب، والأكيد أن المصلحة تقبع في جيوب الممتلئين، وخدمات المتنفذين، والتأثير على المشاهدين!