الإرهاب معروف؛ ولكن ما أقصده بالحدث، هو ما يحدث من حوادث إجرامية متشابهة، في مجتمع أو مجتمعات ما، ولكن متباعدة الحدوث في الزمان والمكان. وما أقصده بالحالة؛ هو ما يحدث من حوادث إجرامية متشابهة، في مجتمع أو مجتمعات ما، متقاربة ومتماثلة الحدوث في الزمان والمكان نفسيهما. وكذلك من الممكن القول عما يحدث في مجتمع ما، من حوادث إنسانية خيرية إذا كانت متشابهة وغير متكررة، فهي تدخل ضمن دائرة الحدث الخيري؛ أما إذا كانت متشابهة ومتكررة، فهي تدخل ضمن دائرة الحالة؛ أي الحالة الخيرية لهذا المجتمع أو ذاك.

السؤال هو: ما فائدة الفرز بين الحدث والحالة، فيما يقع في مجتمع ما، من أحداث؟ الجواب هو أن وضع أي مشكلة اجتماعية في خانتها أو دائرتها الصحيحة؛ هو التشخيص الأولي للمشكلة؛ وعليه يعتمد عليها الحل المناسب والناجح للمشكلة من عدمه. فبالطب مثلاً، لا يعالج الصداع الطارئ، بالأدوية وعقاقير الصداع المزمن، مع كون مسمى المرض واحدا وهو الصداع وأعراضه واحدة. وذلك لكون الصداع الطارئ، يمثل حدثا، أما الصداع المزمن فيمثل حالة؛ وعلى أساس هذا الفرز الأولي أو المبدئي للمرض، يتم تشخيص المرض وعليه يتم تحديد العلاج والدواء المناسب له. وقس على ذلك باقي الأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية.

عودة للإرهاب، متى يكون الإرهاب حدثا، ومتى يكون حالة؟ الإرهاب قد يكون حدثا في مجتمع "ألف"، وقد يكون حالة في مجتمع "باء"، حتى ولو كان المجتمعان كلاهما متماثلين في الإثنية، وقريبان من بعض جغرافياً. فعلى سبيل المثال، دولتا الهند وباكستان؛ تجمعهما الجغرافيا نفسها، والإثنية كذلك؛ ولكن الإرهاب في دولة الهند مجرد حدث؛ يضربها في الخمس سنوات مرة، ويأتيها من جارتها باكستان، وأول من يستنكره ويقف ضده هم الهنود المسلمون قبل غيرهم، مع كونه يرتكب باسم الإسلام أو الدفاع عن المسلمين. أما الإرهاب في باكستان، فهو متكرر الوقوع فيها ويحدث في أماكن متعددة منها، بلا استثناء، ويطال شره الصغير والكبير، بلا تفريق؛ وعليه أصبح الإرهاب فيها حالة وليس حدثا.

والسؤال: هل للدين الإسلامي دخل في جعل الإرهاب حالة في باكستان وحدث في الهند؟ الجواب بالطبع لا؛ حيث يوجد في الهند مسلمون أكثر ممن يوجدون في باكستان، ومسلمو الهند، هم أكثر من يستنكر الأحداث الإرهابية الإجرامية التي تقع في بلادهم، باسم الإسلام، وهم أول من يتصدى لها ويتأذى منها. إذاً أين يكمن السبب الحقيقي في جعل الإرهاب حدثا في الهند وحالة في باكستان؟

أول بوادر تكون حالة الإرهاب في باكستان حدثت عندما قرر بعض الساسة الهنود، وعلى رأسهم، محمد علي جناح، خلق دولة إسلامية، تخص المسلمين وفصلها عن الهند، على أساس ديني. حيث استندوا في خطوتهم هذه، على نظرية عنصرية دينية؛ وهي فصل المسلمين عن الهندوس وباقي مكونات المجتمع الهندي؛ والتي نظر لها العلامة الإسلامي الباكستاني أبو الأعلى المودودي الذي قسم المجتمع إلى فسطاطين: فسطاط الإسلام، وفسطاط الكفر، أو فسطاطي: الإسلام، والجاهلية، كما أحب أن يصنفها. وتم خلق جو من العداء بين الدولتين، أدى لحربين طاحنتين، انتصرت الهند في كليها؛ وخلقت ردة فعل سلبية، لدى الباكستانيين تجاه ساستهم الذين جلبوا لهم الهزائم وتلطخت أياديهم بالفساد؛ وكثرة الانقلابات العسكرية، وبالتالي سيطرة العسكر على زمام السلطة لديهم مما خلق مناخا من الفساد والتسلط.

تواكب هذا مع النجاح الباهر الذي حققته الدولة (الجاهلية)، الهند على جميع الصعد الاقتصادية والعلمية والصناعية والتكنولوجية والعسكرية، وفوق كل هذا وذاك، التسامح والتعايش الديني والإنساني، المبني على أسس مدنية وديمقراطية؛ والتي حمت وأمنت المسلمين قبل غيرهم في الهند. الهند عاشت دولة مستقلة، وفرضت لها وزنا في السياسات الإقليمية ودول عدم الانحياز وحتى الدولية؛ مما حدا بباكستان بأن ترتمي في أحضان الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، خلال الحرب الباردة؛ علها تحظى بحماية ومساعدات غربية كريمة. والذي حدث، هو أن باكستان تحولت من دولة مهترئة غير مقنعة لشعبها، إلى قاعدة عسكرية أميركية في القارة الهندية وتقربت أميركا للعسكريين الباكستانيين أكثر من غيرهم؛ ومدت حبال استخباراتها العسكرية وغير العسكرية داخل جسد مؤسسات الدولة الباكستانية.

وبما أن باكستان خلقت على أساس ديني، وتسمت بدولة باكستان الإسلامية، أخذ الساسة والعسكر فيها، يتبارزون فيما بينهم، لا من خلال البرامج المدنية والتنموية، ولكن من خلال البرامج الدينية، مثل تطبيق الشريعة الإسلامية، التي بدأ بها الجنرال ضياء الحق. ومن هنا أخذ الساسة الباكستانيون يتبارزون فيما بينهم بسيف الدين، مما أدى لدخول رجال الدين لحلبة المبارزة السياسية، حيث يعتقدون بأنهم الأجدر من غيرهم بالحديث عن الدين والذود عنه. وهنا تدين السياسي وتسيس المتدين؛ وكل منهما أضاع مشيته ومشية غيره. وهكذا بدأ التخبط، واختلط الحابل بالنابل وعم النفاق وانتشر الفساد والمتاجرة باسم الدين. إلى هنا.. وحالة الإرهاب أصبحت كامنة تنتظر من يفجرها.

وفي عام 1979 غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، وأصبح الجو جاهزا، لتفجير الكامن الديني العنفي داخل الشعب الباكستاني، لمجابهة جيش الكفر والإلحاد، الذي أصبح على حدود باكستان الإسلامية. وهنا ـ لأول مرة ـ يتحد ساسة وعسكر ورجال الدين في باكستان؛ تحت مظلة أميركا، حول مشروع واحد، وهو الجهاد. حالة الجهاد في شمال شرق باكستان دامت لأكثر من عقد من الزمن؛ يجتمع ويتدرب فيها جميع المجاهدين العرب والمسلمين؛ جنبا إلى جنب مع عتاة ومخططي الاستخبارات الأميركية والغربية والباكستانية والإقليمية.

أغلقت أبواب الحرب في أفغانستان، وفي الوقت نفسه، فتحت أبواب ونوافذ شهوات عشرات الآلاف من المقاتلين العرب والأفغان والباكستانيين، على القتل والتدمير والتخريب، وجمع الثروات الطائلة، باسم الجهاد. وخرجت من رحمها التنظيمات الإرهابية مثل: القاعدة، وطالبان باكستان، وطالبان أفغانستان؛ والتي بدورها فرخت تنظيمات تابعة لها أو مستقلة عنها، وخلايا نائمة ويقظة ومستنفرة. وفوق كل هذا تم خلق حالة بطولية مقدسة من الحالة الإرهابية. فمعظم مقرات التنظيمات الإرهابية، توجد في باكستان، لوجود حاضنة شعبية لها؛ وذلك كون الإرهاب يمثل حالة في باكستان وليس حدثا.

ولذلك عندما يصنف الإرهاب حالة لا حدثا؛ فعلاجه والتخلص منه، يكون بالتخلص من أسباب وجود الحالة، الظاهرة منها والباطنة، الدينية منها والسياسية؛ وحتى التاريخية الداعمة لها. وذلك بتبني مشروع مدني حضاري وتقدمي، سريع وطويل الأمد، قد يمتد لعقود. يكون فيه خطاب الدولة هو الخطاب المهيمن، وتماسك مؤسساتها هو المسيطر. فظهور الإرهاب بوصفه حالة في دولة ما، هو دليل واضح وبين على فشلها في إدارة مجتمعها ناهيك عن قيادته؛ وجرس إنذار، يحذر من تفككها وسقوطها؛ ودحرجة شعبها لأغوار أتون القتل والذبح والتدمير والتقطيع والتشريد والسقوط لقاع الذلة والانكسار.

ولهذا السبب وبنظرته الإنسانية الثاقبة، حذر خادم الحرمين الشريفين العالم أجمع، من تداعيات كارثة الإرهاب على الإنسانية جمعاء، وطالب الجميع بالوقوف أمامها والتصدي لها ومحاربتها؛ حتى لا تتحول من حدث إلى حالة، يصعب التصدي لها.