بعد أن سادت ـ ثم بادت ـ المقولة النقدية التي يلوكها الجميع منذ عقود حول أن "الرواية هي بنت المدينة" والتي أشبعت نقدا حتى لم تعد مغرية لأي نقاش، هناك ظاهرة (ثقافية /اجتماعية) أخرى أعتقد أنها تحتاج إلى التفاتة جادة ودراسة على منهج الدكتور عبدالله الغذامي في "النقد الثقافي"، ألا وهي العلاقة بين المدينة الحديثة و"الكذب" بمفهومه الشامل.
فبعيدا عن الانطباع العام حول "نقاء القرى وأهلها"، هناك علاقة ثقافية خفية بين "سيادة الكذب" في الحياة اليومية للمدن، وتحولها إلى ممارسة يومية لم تعد تثير الأسئلة أو الاستغراب لدى أحد. فحتى من دون دراسة ميدانية، بمجرد الملاحظة العابرة، تجد أي علاقة بين قروي لم يخرج من قريته إلى أي مدينة، وبين أقرب الناس له "المتمدن"، علاقة غير متوازنة في المفاهيم والممارسات اليومية، فابن القرية السابق الذي "تمدن" حاليا يطبق ثقافة المدينة "الكذب" على ابن القرية المستقر فيها طوال حياته، بكل عنجهية وتسلط، وهذا يتلقاها بخلق القروي البسيط، فيصدق كل ما يقال له، بل ويصل إلى حالة الانبهار، مما أوجد علاقة تواصل ثقافي غير مستقيمة بين الطرفين.
ففي نظري أن الأسئلة التي يمكن أن تطرحها أي دراسة (اجتماعية/ ثقافية) حول هذه الظاهرة كثيرة، من أهمها: لماذا ارتبط الكذب بالحياة العصرية/المدنية؟. كيف انتقل هذا "الكذب" من كونه ممارسة يومية في التجمعات العملية الحكومية والخاصة، التي تدار بعقلية "استغلال الفرص" والمبادئ "الميكافيلية" و"البراجماتية" إلى سلوك شخصي خارج الدائرة (العملية/النفعية)؟ حتى أصبحت تجده على لسان ابن الثمانين عاما وطفله ابن الثمانية أعوام. ممن تشربوا بحياة المدينة وتعرجاتها اليومية، حيث يمارسونه بشكل فج على أقرانهم من أبناء القرى المستقرين؟..
قد يقول قائل هذا أمر طبيعي ومعروف، وليس له ذلك التأثير الكبير في العلاقات الإنسانية؟. فأجيب: صحيح أنه تحول في نظرنا جميعا إلى أمر "طبيعي"، لكنه في حقيقته، أسس لممارسات أعمق من ظاهره السطحي، بدأت تعصف بالمجتمع وتثير في داخله الصراعات والتجاذبات الخطيرة على المستوى الديني والفكري والاجتماعي، فتجد الداعية أو المثقف أو حتى الكاتب والأديب العادي القادم من عمق المدينة، يتعمد التضخيم "الكذب" في طروحاته وآرائه، بحجة إيجاد صدمة لدى المتلقي "القروي" الجاهل في نظره، وهذا الأخير بفطرته السوية "الصدق" يتلقى الرسالة كما هي، ويحولها إلى فعل وسلوك يومي، كانت نتيجته النهائية، التطرف في القول والعمل وربما الإرهاب.
ولكي نعرف حقيقة الشيء لا بد أن نعرف أولا: كيف بدأ؟ ولماذا؟.
ولكي نفهم بعض ما يدور حولنا.. لا بد أن نجيب على السؤال الأول: لماذا ارتبط "الكذب" بالحياة المدنية؟