عندما ننظر إلى واقع الجماعات التكفيرية والإرهابية في عرض العالم الإسلامي وطوله، نجد حضوراً للشاب السعودي بشكل مكثف ولافت، فمنذ الجهاد الأفغاني الأول، إلى قضية البوسنة والهرسك، إلى مسألة الشيشان، إلى وضع العراق فسورية نجد الشاب السعودي يحضر وينضم إلى هذه الجماعات بسهولة ويسر، ويكون له السبق في العمليات القتالية والتفجيرية بشكل مكثف، وعنده من الحماسة والإقدام وسرعة التغير بالفكر والانسياق إلى الأفكار بسهولة، وحملها بشدة وعنف حتى يفاصل الناس فيها، وربما وقع في ثلبهم وتكفيرهم والشناءة عليهم، إضافة إلى قوة الولاء لهذه التنظيمات حتى إنه يستعد ليكون حرباً على بلده وأهله، بل ربما وصل إلى تكفير والده وأهله.
في إحصائية أخيرة نشرت عن عدد العمليات الانتحارية التي نفذت في العراق نص التقرير على أن 57% من العمليات نفذت بواسطة شباب سعوديين، وهؤلاء الشباب ليسوا كلهم صغاراً لا يدركون أبعاد الأمور، بل فيهم من تخرج من كلية الطب، وهذا يدل على أننا أمام مشكلة كبيرة تحتاج إلى دراسة وعناية ومعرفة دقيقة للأسباب التي تجعل من الشاب السعودي ضحية سهلة للاستقطاب والتوجيه والاستغلال لمشروعات كبيرة تتجاوز أفكاره البسيطة، بل هي من صنع قوى كبرى تتخذ من هؤلاء الشباب وقوداً لمعارك يعود ضررها على الأمة كلها.
يذكر مسؤول أميركي كما نشرت ذلك وثائق ويكليكس أن الاستخبارات الأميركية تمكنت من اختراق الجماعات التكفيرية، وهذا يعني أنها موجهة لتنفيذ مشروعات تصب في مصلحة القوى الكبرى ومخططاتها في منطقة الشرق الأوسط، ووفق مفهوم الجيل الرابع من الحروب، فإن خلق هذه الجماعات هو خطة استخباراتية عالمية للقيام بالوكالة لإثارة الاقتتال داخل الدول العربية والإسلامية حتى ينفذ من خلالها رسم خارطة العالم الجديد، وإقناع الوعي الاجتماعي بأن التقسيم هو الخيار النافع والوحيد حتى يسلم الناس من الحروب والاقتتال والدماء والفتن، وهذا ما بدأ يتسرب إلى وعي أهل العراق وليبيا كما حدث ذلك في السودان من قبل.
في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حركة كبيرة ومريبة وخطيرة تسعى إلى التقاط وتجنيد الشاب السعودي على وجه التحديد لما ترى فيه من استعداد مسبق للانسياق والانضمام إلى هذه الجماعات، وفيهم من الحماسة التي تعادل حماسة مئات من غيرهم حتى من أهل البلاد التي فيها مشكلات نفسها، وهذه الاستقطابات تقوم بأحدث أساليب الحركات الجماهيرية التي ترسم خططاً للمواصفات النفسية والعقلية للمستهدفين، وتبذل معهم كل وسائل التأثير الذي من خلاله يستطيعون توجيه هؤلاء الشباب لبؤر وأماكن مستهدفة مسبقاً.
إن السؤال المهم: كيف يمكن أن ندرك أسباب هذه الظاهرة، وما هي مؤثراتها التي تجعل من شبابنا وقوداً لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وما هي الأسباب النفسية والعلمية التي تجعل الشاب لقمة سائغة لهذه التوجهات المشبوهة، وهذا هم لا بد أن يتداعى عليه الجميع لكشفه والنظر في أسبابه وما علاقة مناهجنا العلمية والدراسية وخطابنا الإعلامي والدعوي في تهيئة ذهنية الشباب لتكون بهذه الهشاشة والضعف في كشف المخططات وعدم الانسياق وراءها، وكيف يمكن أن نرسم المنهجية العلمية والثقافية لنخلق جيلاً مفعماً بالفهم والتجرد والاستقلال في التفكير والقدرة على التمييز بين الصالح والطالح من المناهج والأفكار، ومعرفة حدود ما يقبل وما لا يقبل منها، ويملك من الوعي ما يعصمه بعد الله من هذه الخطط التي تستهدف أمن واستقرار بلادنا وبلاد المسلمين.
هذا السؤال أضعه أمام مسؤولي التعليم، والمسؤولين عن الدعوة والإرشاد، ورعاية الشباب، وأهل الإعلام، والمهتمين بالأفكار العالية ومسؤولي الأمن الفكري ليرسموا لذلك خطة تحمي شبابنا من هذا الأمر العظيم.