قد يكون تحصيل الشهادة العلمية سببا يجعل صاحبها يظن أنها تصنع له مكانته الاجتماعية، والغريب أنه مايزال هناك من يسعى لفرض آرائه الرجعية من منظور مقاييسه لمستواه التعليمي، وقد تصل بأحدهم عقدة النقص ليرمي غيره بالجهل، وهذا لأنه استطاع التفوق عليه بالدرجة العلمية، ومن ذلك يأتي الخطاب ببنائه على امتلاك الحقائق وبشيء من الفوقية، ولكن السؤال عن دور المتعلم في مجتمعه، فكم سنصادف شخصا ممن يعدون أنفسهم من المثقفين، بينما هم في الحقيقة عبء على المجتمع والثقافة، فإننا بين الوعي والأخلاق والفكر الناقد وما يقابل ذلك بشأن التحصيل العلمي نحتاج إلى لفتة إنصاف.
مجتمعنا تقتله المظاهر وحب التباهي، فنحن نشاهد كثيرا شخصا يرصف بمقابل اسمه ما يعادل طوله في الهوية الوطنية من الرموز والألقاب التي ارتضى أن يجعلها تقدم اسمه بدلا من أن يقدم نفسه باسمه وأفعاله، ثم يتصرف بطريقة الجهلاء، فتجده متطرفا، أو متعجرفا، أو فظا في سلوكه مع زوجته وأولاده وفي تعامله العام مع الآخرين، وحينما يدير حوارا فقد يفشل وبشكل ذريع في عرض فكرته أو نقاشه حولها، فيفرض الرأي ويتعصب له كأسلوب سلطوي.
بالمقابل يمكننا أن نشاهد أن المجتمع الغربي يميل إلى المساواة التي ساعدت بدورها صفة الفردية والاستقلالية وعلاقات المساواة في تطوير الذات والإبداعات الفكرية والعقلية، وجعلت الفرد حرا في صميم إحساسه، والذي خالط الناس في تلك المجتمعات يستطيع أن يلاحظ أن صاحب الشهادة أو المنصب يتساوى مع الناس في سلوكياته ومظهره، فيما لا يزال جوهر الإنسان الشرقي يكمن في أصله وفصله ومنصبه ومستواه العلمي!.
الوعي والثقافة يؤخذان من مسيرة الحياة وتجاربها وأيامها، ولا يتوقفان عند مستوى التعليم.
إذا كانت الشهادات العليا مبلغا علميا وثمرة لجهد الشخص، فليست هي التي تصنع المثقف والإبداع والفكر، وليست هي التي تصنع قيمة الإنسان، وقد تندمج الميزتان في شخص ما فتكوّن منه إنسانا رائعا، وبهذا فإن كل ما يمكن اكتسابه من قبيل العلم والتثقيف يأتي على جانب الأدب والفكر وحسن التعامل والسلوك التربوي، وإن كان التعليم يلقن فإن ثقافة الإنسان تأتي من سعيه ومكاسبه وهي الأكثر تأثيرا في سلوكه، وفي رأيي أن كل مثقف متعلم وليس كل متعلم مثقف.