هي بالضبط خدعة الأرقام وكذبة التضليل المجتمعي ببريق المعلومات والنسب الإحصائية. تعالوا إلى المدخل في هذا الخبر القصير الشارد: ما يقرب من 70% من العائلات السعودية تمكنت هذا الصيف من الاستمتاع برحلة سياحية وتركت منازلها الدائمة لفترة موقتة. وبالطبع انقضت هذه الفترة "الموقتة" ما بين لوس أنجلوس أو المزاحمية وما بين منتجع "لوغانو" السويسري أو سراة عبيدة. الخدعة والكذبة في الرقم أن أحداً لم يلتفت للذين تبقوا من النسبة حتى نصل لمئوية مكتملة. وإن صدق الخبر فإن ثلث الشعب بأكمله عاجز عن التغيير أو الترحال ولو لليلتين من بين ليالي العام بأكمله. ولا أعرف من أين أبدأ فكرتي أو أنهيها لزحمة معلومات التناقض والتباين الطبقي التي تتراقص أمامي في الأرشيف ولكن خذوا هذه المقاربة: حين زار خادم الحرمين الشريفين منطقة جازان في رحلة تاريخية، كان رئيس شركة الكهرباء يتلو عليه بشارة تغطية 90% من القرى الجازانية، وفوراً ذهبت بديهية القائد ليسأل: ولماذا لم تصل إلى العشرة المئوية المتبقية وعندنا وفر المال والإمكانيات. المشكلة أننا دائماً نبتهج بأرقام "النور" التي تنسينا أغلبيتها الساحقة بقية الغرف المظلمة في حياة شريحة اجتماعية واسعة. لم يتخيل أحد على الإطلاق تلك الوطأة الجارحة المؤلمة على آلاف أطفالنا مع جراح المقارنة عندما يعودون في الأسبوع الأول للمدرسة. لم يتخيل أحد أبداً كيف ستبكي مراهقة وهي تلعن "خط الفقر" الفولاذي فوق رأسها بينما الخط ذات يقبع تحت قدمي زميلتها التي خطت بها إلى باريس أو حتى إلى الطائف. كيف سيكون الوضع النفسي لطفل في المتوسطة وهو يشاهد أقرانه يستعرضون صورهم إلى كل جهات الدنيا بينما هو لا يستطيع حتى توفير جوال يلتقط الصورة، ماذا عن استعراض "الماركات" في الأسبوع الدراسي الأول أمام أطفال يرتدون ثياب الصدقة. هؤلاء المساكين في جزئية السياحة تحديدا يشكلون ثلث أطفال هذا الشعب بينما بهجة الحياة والاحتفاء بالأرقام والإحصاء تذهب لبقية الثلثين، ليست مشكلة أن نتحول إلى مجتمع طبقي فهذا ديدن علم الاجتماع. الكارثة أن تتبلد بنا العواطف.