كانت الروابط والهيئات والاتحادات للكُتاب والمثقفين ذات الطبيعة النقابية التجمعاتية فكرة اشتراكية محضة، اشتعلت مع الثورة الصناعية التي شهدت حضورا مؤثرا للحركات النقابية العمالية الأوروبية.

جذبت الفكرة البراقة الشيوعيين لتوظيف الدعائية الثقافية لصالح مشروعهم السياسي الفكري، حرصوا على إنشاء مثل هذه الروابط والهيئات والاتحادات في الأماكن والمدن والقرى؛ بهدف ضبط الأفكار والسيطرة على أي محاولة للتفكير والكتابة خارج الصندوق الأحمر الحديدي، لذا تحولت الهيئات والروابط واتحادات الكُتاب إلى مهمة ميكانيكية لا تتحمس للكتابة والثقافة إلا فيما يختص بالجانب الرقابي الضبطي الذي يرعب الكاتب بموهبة حقيقية والمثقف الحر.

حرصت الجمهوريات العربية الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية بصيغتها الاشتراكية العسكرية، على استيراد الفكرة وتوظيفها والاستفادة منها لتكريم الأصدقاء وإقصاء الأعداء، مثلا اتحاد كُتاب آسيا وأفريقيا في الستينات بمظلته المصرية، واتحاد الكُتاب العرب بصيغته السورية "العرسانية"، وهكذا مع الزمن تراجعت أهمية مثل تلك الروابط والهيئات والاتحادات المشوهة للثقافة كفعل إنساني حر لصالح الفردانية الشديدة، لذا ومع كل تاريخها السيئ، فإنه مازال هناك من يرى أهمية ما في مثل الهيئات والمؤسسات المتهالكة فكرة وتأثيرا، وهذا الأمر يمكن سحبه على كثير من المؤسسات المحلية، التي تتوزع في جميع الاتجاهات باختلاف اهتماماتها، لم يعد من المجدي هذه الحالة التعميمية للثقافة والكتابة، لم يعد الأمر يستحق كل هذا العناء، ذابت العناوين الكبيرة وتراجعت أدوارها مع الزمن، اضمحلت المعارك الفكرية، وأصبحت لدينا أدوات أخرى تمكننا من تقديم أنفسنا بشكل أفضل وأكثر حضارية.

لم يعد هناك ما يخيف، أصبحنا أكثر قوة وثقة، كل الكلام عن أهمية وجود روابط أو اتحادات أو هيئات، هو محاولة لإحياء ما ثبت موته، ومشاريع النوايا الطيبة التي تتمحور حول إيجاد صيغ تدعم المثقفين والكتاب إنسانيا ومعاشيا، هي مجرد نوايا لن تضيف شيئا، ولن تنجز أمرأ حتى لو توافرت الجهود المتحمسة، إلا إذا كانت هناك مظلة واسعة تراهن على فكرة الصناعة الثقافية، التي تنظر لكل الأشياء بصيغتها الأشمل، ويكون الكاتب والمثقف فيها ركنان أساسيان لا مجرد ديكور عابر.