هذه المقالات مشغولة بسؤال التواصل الحديث وتحديدا التواصل عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة. بدأ التفكير في هذه القضية من هذه المشكلة: هناك وفرة في الاتصال ولكن هناك ندرة في التواصل. بعبارة أخرى العلاقة بين توفر وسائل الاتصال الحديثة وبين حدوث الاتصال الفعلي بين الناس تبدو عكسية أو على أقل الاحتمالات غير متوازية.

هذه الإشكالية أحالتنا إلى فرضية عدم توفر المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع مثل هذا السيل الجارف من الاتصالات وهذا ما أحالنا للتفكير في الفرق بين التواصل التقليدي/ الفيزيائي المباشر وبين الاتصال الإلكتروني الحديث.

المقالة السابقة كانت مخصصة للتفكير في بعض امتيازات الاتصال الفيزيائي المباشر ولبّها أن هذا الاتصال يوفر قدرا أكبر من الأمان لأطراف التواصل. الأمان هذا عامل جوهري في أي تواصل بشري حقيقي. هذا الأمان نابع من إمكانين يوفرهما الاتصال المباشر: الإمكان الأول هو إمكان أطراف الاتصال تقديم العون الفيزيائي كما المعنوي. رفيقك في السفر لديه القدرة على تقديم مساعدات مباشرة في سفرك أكبر من صديقك على الهاتف. الإمكان الثاني هو إمكان أطراف العلاقة في إطارها الفيزيائي المباشر التعرف على بعضهم بشكل أكبر من التواصل الإلكتروني. في التواصل الإلكتروني لدى كل طرف قدرة أكبر على التحكم في المعلومات التي تصل للطرف الآخر مما يجعل الطرف الآخر لا يعلم عن رفيقه إلا ما يريد رفيقه إعلامه به. في الاتصال المباشر لا توجد هذه السيطرة على المعلومات. كانت هذه الصورة المعروضة ولكن تم الاعتراض عليها من قبل عدد من الأصدقاء في "تويتر".

الصديقان طلال العجمي وجعفر الأنصاري أشارا إلى امتيازات الاتصال الإلكتروني ومساحة الحرية التي يعطيها للأفراد. هذا النوع من التواصل، بحسب طلال، يعطي الفرد مساحة أرحب ليختار كيف يقدم نفسه بعيدا عن تأثير راهنية اللحظة وإرباكها. عدد كبير من المشاهير -يواصل طلال- يثبتون مثل هذه الحالة. تجدهم مبدعين في الكتابة بشكل مبهر ولكنهم أقلّ حضورا وقدرة على التعبير في اللقاءات التلفزيونية المباشرة. من جهته أشار جعفر إلى أن الاتصال إلكترونيا يساعده أكثر على إيصال أفكاره باعتبار أنه يعطيه فرصه وإمكانية أوسع للتحضير والاستعداد. كذلك أشار جعفر لقدرة الاتصال إلكترونيا على كسر الحواجز الثقافية والاقتصادية. الاتصال أصبح أرخص وفي متناول الكثير كما أنه أصبح أسهل مع أشخاص كان من الصعب التواصل معهم مباشرة.

أتفق مع الصديقين في إقرار هذه المزايا للاتصال الإلكتروني على الاتصال المباشر أو حتى للاتصال الكتابي على الشفوي المباشر. في كثير من الأحيان المعادلة الواقعية المباشرة تصبح عائقا للتواصل بدلا من أن تساعد على حدوثه. العلاقات بين الأفراد وظروفها هي ما يحدد طبيعة التواصل المباشر بينهم. معادلة القوة بين الصغير والكبير، الغني والفقير، صاحب السلطة ومسلوب السلطة تؤثر بشكل حاد على طبيعة التواصل بينهم. لذا فإن ابتعاد الأطراف عن بعضهم البعض يجعل من السهل على الأطراف الأضعف وربما حتى الأقوى التعبير عن نفسها بشكل مباشر وصريح وصادق. البعد عن المستبد ومحترفي البطش والعنف الجسدي واللفظي بقدر كاف للأمان من بطشهم يجعل من التواصل معهم أصدق وأقوى. هنا نصل أيضا لنقطة الأمان التي كانت امتيازا للعلاقة المباشرة. هنا ظهر لنا أن البعد المكاني يوفر في كثير من الأحيان أمانا أكبر ويجعل من التواصل مع من لا نأمن قربهم أكثرا صدقا وفاعلية.

من المنظور ذاته فإن الميزة الثانية التي احتسبناها للتواصل المكاني يمكن مراجعتها نقديا كالتالي: لماذا نعتبر عدم قدرة الإنسان على التحكم في الظروف التي حوله كما في التواصل المكاني يساعدنا على فهمه أكثر؟ وبالتالي لماذا يجعل تحكم الفرد في ظهوره إلكترونيا إخفاءً لتلك الحقيقة؟ ظروف الواقع القاهرة مع عجز الإنسان عن التحكم بظروفه كفيلة بإخراج الإنسان عن طوره لأنها تسلب منه قدرا كبيرا من حريته. في الأخير مسؤولية الإنسان عن تصرفاته ودلالتها على شخصيته مرتبطة بحريته وقدرته على التصرف. حرية إرادة الفرد هنا ترتفع مع الاتصال الإلكتروني ويفترض أن تؤدي إلى تقديم صورة أوضح عن شخصيته. في الإنترنت عبّر كثيرون عن حقيقتهم عبر الأسامي المستعارة حين امتلكوا قدرا أكبر من الحرية والتخلص من التبعات التي قد تترتب على السلوك ذاته لو ظهر بأسمائهم المعروفة. هذا يعني أن المساحة من التحكم والسيطرة التي وفرتها لنا الاتصالات الإلكترونية يمكن أن تكون مساحة للظهور الأوضح والأصدق الذي هو بالتالي فرصة للتواصل بمعناه العميق الذي نبحث عنه هنا.

إذا كانت الصورة السابقة دقيقة فيمكن أن تعيدنا إلى المربع الأول، فلم تعد هناك فروق واضحة بين الاتصال الفيزيائي المباشر والاتصال الإلكتروني تؤدي إلى تفسير محدودية التواصل الناتج عن انفجار الاتصال الإلكتروني. في الأخير فإن أزمة التواصل متوفرة بشكل واضح مع الاتصال المباشر أيضا. الطفرة التي حصلت مع الاتصال المكاني من وسائل سفر متعددة وسريعة وميسّرة لم تحلّ معها مشكلة التواصل بين البشر. هذا التفكير يفترض أن يعيدنا إلى طبيعة العلاقات التي تجمع البشر والتي ربما أخذت صورا متشابهة رغم اختلاف الوسائل. هنا تكون أزمة التواصل في وسائل التواصل الحديثة كما هي في وسائل التواصل القديمة علامة على أزمة الإنسان مع الإنسان، أو هي علامة عبّر عنها التوحيدي بقوله إن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان.