الجهات الرقابية هي في الأساس جهات حكومية، وبالتالي هي جزء من البيروقراطية، وقد لا تخلو هي ذاتها من لون أو آخر من ألوان الفساد المالي والإداري، ونظراً لأن هذه الجهات عادة ما تمارس رقابة ذاتية على أنشطتها من تلقاء نفسها، بحكم تأثير البنية المؤسساتية لها، وطبيعة وظيفتها الرقابية، فضلاً عن كونها جهات غير خدمية؛ فهي في الغالب تكون بعيدة عن الأنظار والانتقاد وكشف مظاهر الفساد فيها.
كثيرا ما نتحدث عن أوجه ومظاهر الفساد في بعض الجهات الحكومية، ولكن الجهات الرقابية بمنأى عن ذلك، مع أنه إذا فسدت الرقابة فسد معها كل شيء، وقد تكون هي أحد الأسباب الرئيسة في نمو ظاهرة الفساد في بعض الجهات الحكومية الأخرى، والبحوث والدراسات والكتابات في هذا المجال لا تلتفت إلى هذه القضية، وتركز فقط على مواضيع معينة تتعلق بالعمل الخارجي لهذه الجهات مثل ضعف الدور الرقابي بشكل عام وضعف استقلالية الجهات الرقابية وضعف كوادرها الوظيفية!
أما بالنسبة للعمل الداخلي للجهات الرقابية، فلا أحد يستطيع الدخول في دهاليز وكواليس هذه الجهات، بسبب سرية العمل الرقابي، والذي ربما استخدم هذا السبب كستار أو غطاء لممارسات الفساد، فهناك على سبيل المثال من الباحثين والدارسين من يشتكي من بعض الجهات الرقابية بعدم تزويدهم بالمعلومات المطلوبة، بل حتى رفض تعبئة الاستبيانات البحثية، وإن وافقت على ذلك، تقوم بفرز هذه الاستبيانات بعد تعبئتها، وتستبعد الآراء السلبية منها، وتسلم الباحث الآراء الإيجابية فقط!
وبناء على ما سبق، فإن أي حديث عن عملية إصلاح وتفعيل لدور الجهات الرقابية، لن يكون ذا أهمية دون تحليل للوضع الداخلي لهذه الجهات، وتسليط الضوء على مخاطر مظاهر الفساد فيها، يقول الله عز وجل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وفيما يلي، أستعرض بعض الأمثلة على مظاهر الفساد الممكنة والمحتملة في الجهات الرقابية، والتي لها علاقة بطبيعة المراجعة والرقابة، والتي قد لا تختلف في مضمونها عن مظاهر الفساد المالي والإداري في الجهات الحكومية الأخرى، وذلك على النحو التالي:
1- قد يستغل أحد النافذين في الجهات الرقابية، نتائج المهام وما تتضمنه من مخالفات وتجاوزات في ابتزاز الجهات الحكومية الأخرى، وذلك لتحقيق مصالح شخصية.
2- قد يتم التعتيم على قضايا الفساد المكتشفة في الجهات الحكومية المشمولة بالرقابة، عن طريق حفظ هذه القضايا وعدم إدراجها في التقارير المرفوعة إلى السلطة التشريعية، وذلك لأسباب عدة، منها الواسطة والمحسوبية والمحاباة والحفاظ على المنصب.
3- قد يقوم أحد النافذين بتسليط فرق العمل الرقابية على جهة حكومية بعينها بهدف الانتقام من أحد مسؤوليها، أو إزاحته من خلال تشويه السمعة وتلفيق الملاحظات عليه.
4- استغلال المعلومات التي تحصل عليها الرقابة في تزويد أصحاب المصالح ذات العلاقة، للاستفادة منها في تمرير معاملاتهم في الجهات الحكومية المشمولة بالرقابة وتحقيق مصالحهم وخاصة بعض رجال الأعمال في الشركات والمؤسسات.
5- بسبب طبيعة عمل الجهات الرقابية، وانعزالها عن الجمهور العام، وغموض مصطلحاتها الفنية ومنهجية عملها، فإنه قد يقوم أحد النافذين بتمرير مشاريع مبالغ في تكلفتها وليست ذات أهمية، للاستفادة منها في تحقيق أرباح شخصية مثل عمولات مالية كبيرة، أو ترسيتها على شركات يملكها هذا المسؤول أو تكون مملوكة لأحد أقاربه.
ونتيجة لمظاهر الفساد السابقة، يفقد المجتمع ثقته في مدى استقلالية وحياد ومصداقية الجهات الرقابية، فالرقابة شأنها شأن أي مهنة، تحتاج إلى اعتراف عام وثقة من المجتمع الذي تعمل فيه، وتلك المظاهر تؤدي إلى دفع المراقبين إلى تقديم تقارير زائفة ومضللة لينجوا بأنفسهم من بطش بعض المسؤولين النافذين في تلك الجهات، أو ليحصلوا على مزايا ومناصب عليا بسبب تحقيقهم لرغبات بعض المسؤولين.
فمن يعترض أو ينتقد من المراقبين، فإنهم يعتبرون حجر عثرة أمام مشاريع ومصالح بعض المسؤولين في تلك الجهات، وعليه يجب استبعادهم ونقلهم أو إجبارهم على الاستقالة أو التقاعد المبكر، فيحدث التسرب الوظيفي نتيجة لذلك، وهنا تتذرع الجهات الرقابية بأن هذا التسرب سببه ضعف الرواتب والحوافز المادية؟!
وعليه، قد يتم دعم الجهات الرقابية بموظفين جدد، ومع قلة تدريبهم، وانكفاء المشرفين على أنفسهم، وانحباسهم في مكاتبهم، فيكون هؤلاء الجدد عرضة لجهل القوانين والأنظمة، فتراهم يصولون ويجولون في الجهات الحكومية المشمولة بالرقابة دون موجه أو رقيب، فتتراكم الأخطاء، وتكثر المخالفات والاختلافات.
بالإضافة إلى ما سبق، قد ينشأ شعور لدى موظفي الرقابة بعدم جدية ومصداقية جهاتهم، مما ينتج عنه إهمال المراقبين لواجباتهم، التي أصبحت نوعاً من إضاعة الوقت والعبث به، أو يقوم هؤلاء المراقبون بأداء العمل بصورة تسلطية تفتيشية وبحثاً عن الأخطاء، وليس بصورة تصحيحية علاجية، وعليه تقوم الجهات الحكومية بمحاولة تضليلهم وحجب ما يمكن حجبه من البيانات والمعلومات.
ومن هنا تبدأ الجهات الرقابية التي يعتريها الفساد، بالتعتيم على مشاكلها، وتبرير عجزها عن طريق تضخيم منجزاتها من خلال العبارات الإنشائية الخادعة في تقاريرها السنوية، ووضع خطط استراتيجية هدفها الدعاية لا غير، وإصدار معايير رقابية لإيهام السلطة التشريعية بأنها تعمل على أسس علمية ومهنية، والحقيقة أن هذه المعايير محبوسة في الإدراج والدواليب، والمراقبون لا يمارسون أعمالهم حسب ما تمليه تلك المعايير، وإنما تعتمد على المزاجية وحسب ما يمليه المسؤولون في تلك الجهات.
ولكي تتمكن الجهات الرقابية من بلوغ أهدافها المتوخاة في مجال حماية المال العام وتحسين الأداء الحكومي ومكافحة الفساد، ينبغي أن تضرب هي نفسها المثال في مجال التنظيم والمهنية والفعالية والشفافية وتحفيز الكفاءات والتقييم المستمر لأنشطتها الرقابية، والاستفادة المثلى من الاعتمادات المالية المرصودة لها، وإلا ستصبح ثقلاً على المجتمع، وترفاً زائداً لا فائدة منه، والإصلاح يبدأ أولاً من الداخل وأولى خطواته تطبيق معايير المراجعة المهنية.