ولست اليوم بصدد قراءة نقدية لقصيدة سمو الأمير خالد الفيصل حين "اعتكف" فكره محبطا وهو يصف الحالة العروبية بعيد جحيم الربيع العربي الذي لم يكشف سوى عن (شتاء) مظلم بليل طويل وشمس نهار قصيرة صفراء وذابلة.

يؤسفني جدا أن أكتب لصاحب القصيدة حقيقة أن عربيا واحدا لن يستطيع السير بأمان بعد ظهر غد الجمعة فيما لا يقل عن ثلث عواصم العرب. من صنعاء إلى بغداد ومن دمشق إلى طرابلس ومن بيروت إلى القاهرة. جل هذه العواصم التاريخية أضحت حتى محظورة على ملاحة الطيران، وبالإحصاء، تضرب في أركانها يوميا ما يقرب من ألف حالة ترهيب. من الرصاصة إلى الصاروخ، ومن القنبلة حتى البرميل المتفجر.

تعلمت في مدرسة خالد الفيصل لذة الاستقلال وروح الاختلاف حتى معه. وليسمح لي مقامه اليوم إن قلت إن أحلام بني يعرب في الوحدة تجري عكس وقائع التاريخ. دعنا سمو الأمير ننظر للصورة المتفائلة الممكنة. أن ننفض أيدينا من الأحلام وأن نفكر فقط داخل حدودنا وحقائق شعبنا المدهشة.

تعال لنتفاءل بأن هذه (الرياض) إحدى عواصم الدنيا القليلة التي تستطيع أن تنام فيها على الرصيف، وهي الثالثة على رأس القائمة الكونية في مقياس النمو. تعال إلينا سمو الأمير لنعرّف هذا الشعب الأصيل الوفي على الحقيقة الصارخة: نحن في قلب نادي العشرين مع كل مؤشر كوني بينما جحيم العرب يسحب عواصمه وشعوبه في المؤشرات ذاتها إلى ما بعد المائة. وحين ضربت حمى ربيع العرب في مواعيدها الزائفة اختاروا لنا جمعة (11 مارس) الشهيرة، ولك يا سمو الأمير وللقارئ الكريم أن هذه الجمعة قد استأثرت من قبل بما يناهز مليون تغريدة ومشاركة إلكترونية ثم جاءت النتيجة:

استطاعت bbc أن تقابل فردا واحدا، وأيضا لم تخرج هذه الكذبة سوى بمعتوه على "اليوتيوب" حين أسكتته جموع المصلين في مسجد بالرياض.

أروع ثمار الجحيم العربي علينا ليس إلا أن هذا الشعب الذكي قد استوعب الدرس ولن يساوم أو يتسابق إلى معايير الجوع والخوف.

نحن يا سمو الأمير إحدى عواصم العرب القلائل جدا جدا التي لم تنطلق فيها رصاصة واحدة، ولم نواجه خلية إرهابية في سنوات العجاف العربي. قضيتنا الوطنية المركزية الأولى يجب أن تكون اليوم:

كيف نحافظ على هذا الازدهار وهذا التماسك الشعبي الجارف؟ كيف نحافظ على مركزنا العالمي الأول في استيراد رافعات البناء الصفراء حين تفرغت عواصم الشتاء العربي لاستيراد الرصاص الأصفر؟