من أهم ما يميز المدن تخطيطها على أسس فنية وعلمية واقتصادية واجتماعية، وأهم أسس تخطيط وتقسيم المدن هي الشوارع الرئيسية والفرعية، ونظرا للنمو السكاني توسعت المدن الرئيسية والصغيرة وخرجت عن إطارها التخطيطي القديم بالإضافة إلى الهجرة إلى المدن من القرى والهجر والمدن الصغيرة.
مما دفع المخططين إلى التوسع في إنشاء المجمعات السكانية في أطراف المدينة، ومع هذا التوسع ازدادت الشوارع الطولية والعرضية والفرعية وشُكلت لجان متخصصة في البلديات والأمانات في المدن الكبيرة لتسمية الشوارع الفرعية، واختير نخبة من الأهالي مع موظفي الأمانة لتسمية الشوارع ولكثرة الشوارع الفرعية اكتفت بعض الأمانات بموظفيها في اللجنة وسميت العديد من الشوارع الفرعية في بعض المدن وأخص مدينة جدة بأسماء أشخاص مجهولين لا يعرفهم أحد سوى من رشح الاسم في اللجنة وسميت بعض الشوارع بأسماء قرى في دول غير المملكة وأسماء أشخاص غير سعوديين وليسوا من المعروفين، وسميت بعض الشوارع الفرعية بأسماء أشخاص لم يكن لهم دور فعال في المجتمع ولم يكن لهم إبداع علمي أو عمل خيري أو عمل اجتماعي أو دور إنساني أو ماضٍ عريق أو نجاح في عمله خدم به الوطن والمواطنين.
وهذا لا يعني أنه لا توجد شوارع سميت بأشخاص تنطبق عليهم هذه الشروط ولكنها قلة مقارنة بعدد الشوارع التي سميت بأسماء أشخاص لا نعرفهم أو نعرف دورهم في المجتمع.
فمن مهزلة هذه التسميات تسمية بعض الشوارع بأسماء آباء وأقارب وأصدقاء بعض موظفي الأمانة من الأهالي والمسؤولين والتجار الذين لا دور لهم في المجتمع أو بعض الموظفين الذين لم ينفعوا سوى أنفسهم وأصدقائهم في الأمانات.
وكم من الرجال والنساء لهم أفضال على مجتمعهم بأعمالهم الإنسانية والاجتماعية ولكنهم يعملون في صمت بعيدا عن الأضواء والإعلام تقاعدوا عن عملهم أو ماتوا ولم نذكرهم أو نذكر دورهم وفضلهم ولم نكرمهم وهم شريحة عريضة في المجتمع منهم بعض الأساتذة والأستاذات الفضلاء في المدارس البنين والبنات ممن قضوا عمرهم في تعليم أبنائنا العلم والفضيلة وكانوا أنموذجا للمعلمين الذين أجمع طلابهم وزملاؤهم من الأساتذة والأستاذات المديرين بأنهم كانوا متميزين تقاعدوا وأصبحوا نسيا منسيا، والبعض الآخر في المجال القضائي فكم من قاضٍ متميز بالأمانة والحكم بين الناس بالعدل فأرضى الله وعباده وتقاعد من عمله وأصبح نسيا منسيا، وكم من رجل أمن عمل بإخلاص لخدمة دينه ووطنه فنشر الأمن وحفظ سلامة أبناء الوطن وعرض حياته للخطر لأن يحافظ على وطنه ثم تقاعد ولم يحظ بأي تكريم، وكم من أستاذ وأستاذة جامعية متميزة رفعوا اسم العلم والتعليم والإبداع والبحث العلمي وكم من كاتب وكاتبة وصحفي وصحفية وناشر ومؤلف ساهموا في رفع ثقافة المجتمع، وكم من طبيب وطبيبة ساهموا في رفع معاناة المرضى وخدموا صحة أبناء الوطن ورفعوا من اسم وطنهم في العديد من العلوم الطبية محليا ودوليا مثل المتميزين في طب القلب والعيون وفصل التوائم المتلاصقة والكبد والكلى والمخ والأعصاب وغيرهم.
وكم من طيارين تميزوا سواء في مجال الطيران التجاري أو العسكري فعملوا بأمانة وإخلاص وحافظوا على سلامة المسافرين وانتهت خدماتهم ولم يحظوا باهتمام، وكم من مديرين ورؤساء أقسام ووزراء ووكلاء وزارات وسفراء مخلصين أمينين على المال العام يخافون الله في عباده رفعوا اسم وطنهم خارج الوطن، وكم من دعاة وفقهاء وأئمة ومؤذنين اخلصوا لدينهم ووطنهم وغيرهم من هم أولى بالتكريم بتسمية بعض الشوارع في المدن بأسمائهم.
إن ترك الأمور لأهواء أعضاء اللجان أو موظفي الأمانات هو أمر غير عادل، وإذا جاز لي الاقتراح فإنني أقترح أن توضع أسس وضوابط جديدة ومراقبة لتسمية الشوارع في المدن الرئيسية والصغيرة ويكون من أهم هذه الأسس الاعتماد في ترشيح الأسماء على ترشيح كل وزارة وجامعة وكل مؤسسة عامة وكل مرفق حكومي للمتميزين من الموظفين المخلصين الذين خدموا بلادهم فترة زمنية طويلة بسجل حافل متميز ويضاف إلى جهات الترشيح مؤسسات المجتمع المدني مثل النوادي الأدبية والغرف التجارية والجمعيات الخيرية والمجالس البلدية ومجالس المناطق ومجالس المحافظات ومراكز الأحياء.
إن تكريم المتميزين من أبناء الوطن بتسمية بعض الشوارع بأسمائهم هو تحفيز لأبناء الوطن للعمل والإخلاص لوطنهم والإبداع في أعمالهم شريطة أن يكون التكريم في حياتهم لأن سياسة تكريم المتميزين من أبناء الوطن بعد مماتهم تشابه سياسة تجاهلهم في حياتهم فالتكريم الحقيقي هو لشخصهم في حياتهم وليس لأبنائهم بعد وفاتهم، فكم من رجال ونساء أعرفهم انتقلوا إلى رحمة الله ماتوا وفي نفوسهم حسرة لتجاهل الدولة والمجتمع لدورهم ثم كرموا بعد وفاتهم، فما قيمة التكريم لهم؟
أما اقتراحي الثاني فهو لماذا لا تحتفظ البلديات والأمانات بسجل معلوماتي ومعلن على مواقعها الإلكترونية توضح فيه أسماء الشوارع الرئيسية والفرعية وتذكر فيه السيرة الذاتية والتاريخية والإبداعية لكل اسم سمي الشارع به ليتعرف المواطنون الذين تقع مساكنهم على هذه الشوارع على السيرة الذاتية لصاحب اسم الشارع ويعرف الجميع لماذا سمي الشارع بهذا الاسم.
وأتساءل لماذا أصبحت الشوارع حكرا على الرجال المتميزين المبدعين الذين خدموا دينهم ووطنهم ومجتمعهم من دون النساء؟ وهل هناك مانع شرعي لتسمية الشوارع بأسماء بعض المواطنات المبدعات واللاتي قدمن لمجتمعهن خدمات جليلة أكثر من العديد من الرجال الذين سميت بعض الشوارع بأسمائهم وبدون دخول في التفاصيل فإنني أطالب بضرورة إعادة النظر في طريقة وأسلوب وسياسة تسمية الشوارع في المملكة. وإذا كان يصعب تحقيق العدالة في تسمية الشوارع بأسماء أبناء الوطن المتميزين فإنني أقترح اللجوء إلى نظام التسمية بالأرقام والحروف المطبق في العالم المتقدم. وقد يقال بأن التسميات قد انتهت وقد قضي الأمر. والجواب قد يكون عفا الله عما سبق والهدف هو التخطيط للمستقبل فالنهضة العمرانية قادمة والمدن الإسكانية تحت الإنشاء وتطور العمران مرتبط بالنمو السكاني ويصعب وقف النمو السكاني.