شد وجذب، كر وفر، إقدام وإحجام، هكذا كان حال المفاوضين الفلسطينيين في سعيهم لتحقيق المصالحة الوطنية التي كثر الحديث عنها وضرورة إنهاء الخلاف بين حماس وفتح، وكلما توقع الفلسطينيون انتهاء كابوس الانقسام والفرقة الذي قسم أبناء الوطن الواحد وأسهم في تشتيت جهودهم التي من المفترض أن تؤدي في النهاية إلى زوال الاحتلال وتحقيق أحلام الفلسطينيين في تكوين دولتهم المستقلة، تؤدي عوامل عديدة إلى إجهاض تلك الجهود وعودة الفلسطينيين إلى المربع الأول.

عوامل كثيرة داخلية وخارجية كانت تقف وراء تعثر جهود لمّ الشمل، من بينها العامل الخارجي الذي كان يتدخل لإجهاض كل المحاولات التي تبذلها دول عربية مخلصة، طالما نادت بوحدة الصف وإنهاء الخصام والتشرذم، كما أن الاختلافات الفكرية والتباين الأيديولوجي أسهم إلى حد كبير في تباعد مواقف أبناء الوطن الواحد.

وهي مطالب قد لا تبدو منطقية أو عقلانية في الوقت الحالي، بسبب الارتباطات الدولية، ومطالبة المجتمع الدولي للطرفين بالتوصل إلى حلول عن طريق التفاوض.

مؤخراً، وبعد أن ثبت للعالم أجمع أن إسرائيل لا تريد سلاماً على الأرض، وأنها تضع عصا الخلاف في دواليب العملية التفاوضية كلما تقدمت، وأنها لا تهدف من الجلوس مع الجانب الفلسطيني إلى طاولة الحوار سوى لكسب الزمن، بغرض مواصلة سياسة الاستيطان التوسعية، ولا تأبه للعالم أجمع، ولا تصغي لمناشدات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، للدرجة التي أثارت حفيظة أقرب حلفائها وداعمها الرئيسي – الولايات المتحدة – مما دفع المسؤولين الأميركيين إلى انتقاد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً، في مواقف نادرة قلما تتكرر.

بعد ثبوت تلك الحقائق، لم يتردد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في إعلان عزمه اللجوء إلى تحقيق الحلم الفلسطيني وإنجاز مشروع المصالحة الوطنية، والاستقواء بالداخل، لمواجهة الصلف الإسرائيلي، وتوجيه رسالة حازمة للآخرين، بأن في التلاحم الداخلي صلابة، وأن في الوحدة قوة. وعلى الفور التقى فرقاء الوطن الواحد، وتباحثوا في مواطن الخلاف، وبأسرع مما كان متوقعاً توصل الطرفان إلى نتائج مبهرة، وتوجت تلك اللقاءات بتوقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ممثلاً عن حركة فتح، وخالد مشعل ممثلاً عن حركة حماس اتفاق المصالحة في العاصمة القطرية الدوحة في الخامس من مايو الجاري.

قبل أن يجف حبر الاتفاق، بادرت تل أبيب إلى التهديد والوعيد، وعدت الاتفاق نكوصاً من عباس عن مفاوضات السلام، كما عبرت الولايات المتحدة – في موقف متوقع – معارضتها لذلك التقارب بين الفلسطينيين، وكأنه كتب على هؤلاء أن يظلوا أبد الدهر أسرى للخلاف والفرقة والتشرذم، وأن ينتظروا ما تجود به عليهم حكومة اليمين الإسرائيلي المتشددة.

بعد التوقيع تبقى هناك أسئلة منطقية تفرض نفسها بقوة، في بدايتها ما إذا كان الاتفاق الأخير سيجد حظه من التطبيق الفعلي على الأرض، أم أن مصيره سيكون مثل مصير الاتفاقات السابقة، حبراً على ورق؟ "الوطن" حملت تلك التساؤلات ووضعتها أمام حركتي فتح وحماس، فكانت الإفادات التالية:

جريمة تاريخية


بداية يقول عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس ملف المصالحة عزام الأحمد في تصريحات إلى "الوطن" "الانقسام بحد ذاته كان جريمة لن يغفر التاريخ لمن قام به وعمل على استمراره طيلة هذه السنوات السبع. وبالنسبة لنا فقد وقعنا على وثيقة المصالحة بتاريخ 15/10/2009 ولم يكن لنا في فتح ومنظمة التحرير سوى هدف واضح هو إنهاء الانقسام، بينما لم توقع حماس عليها إلا بتاريخ 4/5/2011، دون تغيير حرف واحد بها. ونحن نعد إنهاء الانقسام ضرورة وحاجة وطنية، سواء كانت هناك مفاوضات أو لم تكن، وبالتأكيد الوحدة تقوي الطرف الفلسطيني في وجه إسرائيل، ونحن بحاجة إلى ذلك، كما أن بناء وتطوير الوطن بحاجة للوحدة". وأضاف الأحمد "يجب أن نبقى متفائلين من أجل إتمام المصالحة مهما كانت المصاعب، فهذه هي المرة الأولى التي نتفق فيها على آليات لتنفيذ ما وقعنا عليه، لذلك نشعر بالتفاؤل أكثر من أي فترة مضت بسبب المتغيرات التي تحيط بالمنطقة ككل".

شأن داخلي


وعن إمكانية استمرار الرفض الدولي للتوافق الفلسطيني، قال "المصالحة شأن داخلي ليس من حق إسرائيل والولايات المتحدة أن تقررا بشأنه، مصلحة شعبنا هي التي تحرك القيادة. وأذكر في حالة الانقسام كان نتنياهو يقول باستمرار "أبو مازن يمثل من في المفاوضات غزة أم الضفة؟" وعندما بدأنا في إنهاء الانقسام بدؤوا يهددون بقطع المساعدات وحجز الأموال. نحن لا نتمنى أن تتخذ الولايات المتحدة قراراً خاطئاً من هذا النوع، ولكن حتى لو اتخذته لن نتراجع، فوحدتنا أهم من كل أموال الدنيا. ونحن نتطلع كذلك إلى أمتنا العربية لتوفير الدعم السياسي والمعنوي والمادي لحفظ المصالحة وحماية مستقبل أمتنا العربية التي ندافع عنها أمام المطامع الصهيونية، علماً بأن الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا ومعظم دول العالم أكدوا دعمهم لاتفاق المصالحة واستمرار مساعداتهم للشعب الفلسطيني.

حاجة مشتركة





في المقابل، يقول القيادي بحركة حماس أحمد يوسف في تصريحات إلى "الوطن": "منذ بداية الانقسام كانت المصالحة مطلباً للجميع، وكان الكل ينظر إليها باعتبارها فريضة شرعية وضرورة وطنية ومستلزما للحفاظ على المشروع الوطني. ولكن للأسف لم نتمكن من التغلب على تداعيات الانقسام، وما صاحبه من اصطفاف حزبي واستقطاب داخل الشارع الفلسطيني. وقد عملت إسرائيل على تكريس الانقسام، وتوسيع هوة الخلاف والتناقض بين الجانبين. ولولا الجهود المكثفة التي قامت بها مصر من خلال تقريب وجهات النظر، وتشجيع الأطراف على توقيع وثيقة المصالحة وإنهاء الانقسام في مايو 2011، والتي شكلت الأرضية لما تم التوقيع عليه مؤخراً.

ونفى يوسف أن تكون المصالحة مجرد ورقة سياسية يلجأ لها الفلسطينيون لتهديد الجانب الإسرائيلي كلما تعثرت جهود السلام، قائلاً: "لا أعتقد بأن هناك علاقة تلازم بين إنجاز المصالحة وتعثر المفاوضات، وإن كان فشل المفاوضات قد عجَّل بتسريع خطوات المصالحة، حيث إن طرفي الأزمة؛ فتح وحماس، هما حقيقة في ورطة كبيرة ووضعية كارثية، وساقا الشارع الفلسطيني ليغلي كالمرجل القابل للانفجار. لذلك، المصالحة هي سفينة الخلاص وطوق النجاة لكل منهما".

ضرورة حيوية


وحذر يوسف الجانبين من أن الشعب الفلسطيني سيرفضهما معاً إذا أخفقا في إنزال ما تم الاتفاق عليه إلى واقع معاش، وقال "عاقبة الفشل ستكون خسارة كبيرة للطرفين؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي تراجع شعبيتهما إلى أقل من 30% لكل منهما، وأن كل طرف يتطلع اليوم لتحقيق الاتفاق، حيث لم تعد حركة حماس قادرة في ظل الحصار، وتراجع علاقاتها مع دول الجوار، من توفير فرص حياة كريمة، حيث بات قطاع غزة يتنافس مع الصومال على المقعد الأخير للدول الأشد فقراً في العالم العربي، كما أن 80% من سكان القطاع يعتمدون في حياتهم على المساعدات الخارجية.