عندما أقرأ قصة أو قصيدة جديدة لمبدع حظي بشهرة جيدة، وأصبح علما في مجاله، أحاول بكل جهد، أن أبحث عن أول أعماله المنشورة سواء بين دفتي كتاب أو في مواقع الإنترنت، إذا لم يكن أصدر كتابا مطبوعا، وذلك لأنني أجد متعة كبيرة في قراءة العمل الأول أكثر بكثير من العمل الجديد، على الرغم من أن العمل الأحدث قد يكون الأفضل فنيا، بفعل تراكم التجارب وزيادة القراءات والوعي، وربما الدراسة النظرية في المجال نفسه.

أما سر متعة العمل الأول فهي في اعتقادي نابعة من رائحة خاصة، دافئة، طفولية بريئة إلى حد كبير، تبدأ برائحة الورق المائل للون الأصفر، ولا تنتهي بالحروف المنطلقة، كطفلة تتنقل بين أزهار حديقة واسعة.

أقول هذا، وفي ذهني مجموعات قصصية، ما تزال متعة قراءتها حاضرة، ورائحة ورقها البسيط، تتسرب في دمي، مثل مجموعة القاص الرائد محمد علي علوان "الخبز والصمت" ومجموعة القاص والناقد الدكتور حسن النعمي "زمن العشق الصاخب" والأخرى "آخر ما جاء في التأويل القروي" ومجموعة "خطوات يبتلعها المغيب" للقاص ظافر الجبيري وغيرها الكثير.

لا أجد تفسيرا لهذا إلا لأن الأعمال الأولى وخصوصا السردية تكتب بماء الحياة المحيطة بالمبدع الشاب، وعشب الأرض الخضراء التي يتجول في جنباتها وهو يسرد أحلام اليقظة، قبل أن تكون كتابة مدرسية أو نتيجة تأثر بمناهج أو سماع إذاعة أو مشاهدة مقاطع شعرية كالتي كان يلقيها المذيع الرائد ماجد الشبل في التلفزيون، وهو ما يحدث غالبا لمن يحاول "قرض الشعر" عندما ينتهي من قراءة أنشودة في كتاب "المطالعة".

صحيح أن السارد يتأثر بما يقرأ ويسمع ويحاول التقليد والمجاراة، لكنه يتميز، وخصوصا "السارد القروي" ـ إن صحت التسمية ـ بأنه يعيش في بيئة "فنتازية" إلى حد كبير، تحتوي على أساطير غاية في الإدهاش ممزوجة بقيم اجتماعية وأخلاقية، لا يمكن أن تنمو إلا وسط الطبيعة الخضراء، وتحت زخات المطر، وقصف الرعد. وهو السر في دفء تلك الأعمال الأدبية وحميميتها.

لكن السؤال الأهم: هل يفقد المبدع بعض هذه الروح والرائحة في أعماله التي يكتبها في العقد الرابع من عمره وما بعده؟ لكي تكون الإجابة موضوعية، يجب أن نقول: إن تراكم التجارب والقراءات والنظرة الجديدة والواقعية للحياة، لا بد أن تكون مؤثرة، وفي الغالب أن هذا الأثر، هو أثر إيجابي في تطور أدوات الكتابة وعمقها المعرفي.

لكن على المستوى الشخصي، أشعر أنني أفتقد رائحة العمل الأول، وجمال بساطته، عندما أقرأ الكثير من الأعمال الجديدة لأدباء كبار في المملكة، على الرغم من أنهم يقدمون عصارة التجربة الإبداعية الثرية.

هذا انطباع شخصي ربما لأنني "قروي" أحب رائحة المطر وتزعجني رائحة "عوادم" السيارات التي تجوب شوارع المدن.