على الرغم من تقدم العصر في كل المجالات وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر القرية الكونية الذي يتميز بالتقدم العلمي؛ إلا أن العالم يعاني من مشكلات مدمرة هي: الاحتباس الحراري وسوء الفهم الديني والإرهاب. هذه المشكلات الثلاث ستعصف بالعالم وتلتهمه مع تقدمه الذي يعيشه إن لم يجد حلا لها. المشكلة أن العالم منشغل في التقدم العلمي المدفوع بالكسب المادي، تاركاً هذه المشكلات تعصف به، وهذه كارثة سيعاني العالم منها وإليكم التفاصيل: تقول التقارير إن الاحتباس الحراري سيقضي على 100 مليون نسمة خلال العشرين عاما المقبلة معظمهم من البلاد النامية، والمشكلة أن العالم المتقدم لا يلقي لهذه المشكلة من الاهتمام ما تستحقه، بل إنه يخفي بشكل متعمد الكثير من التفاصيل التي تتعلق بالدمار الكبير الذي يسببه الاحتباس الحراري لسكان الدول النامية، وربما كان ذلك بدافع أن العالم المتقدم نفسه هو المتسبب في هذه المشكله وما ينتج عنها من كوارث. وهنا تبدو عدم عدالة هذا العالم الذي يتشدق بالشفافية والعدالة والسلام، والحل لهذه المشكلة أن يتم إبرازها ووضعها في بؤرة شعور العالم كي يتم الحديث عنها من قبل العلماء والسياسيين حتى تأخذ حقها من الاهتمام، أما ما يتعلق بسوء الفهم الديني فإن الحل الذي يجب التركيز عليه هو "قيمة التسامح" المنطلقة من الاحترام وليس من التجاهل. وهنا نسأل: هل تستطيع المجتمعات أن تواجه التحدي المتمثل في احترام الهوية الثقافية والدينية لشعوب الدول الأخرى؟ وهل يستطيع العالم الاعتراف بالجيرة الكونية الجديدة؟ وأخيرا: هل تستطيع القيادات أن تعلن الأمل في تأسيس أفكار إيجابية واقعية وملموسة؟ العالم اليوم يدخل العصر المحوري الثاني لظهور دور حديث للدين. ولذا لا بد أن يطلب نظرا لذلك من علماء الدين أن يصلوا وبشكل جماعي إلى طرق وأساليب لإيجاد معنى للعيش والسلام، وذلك في ظل اختلاف المذاهب والجماعات في كل الأديان السماوية. وكل دين له تعددية إيمانية ولاهوتية ومعتقدات، وإذا كانت التعددية في الدين الواحد قد تم تفهمها بشكل كبير فيجب أيضا ولنفس الأهمية تفهم ما تتفق علية الأديان. فالأديان الثلاثة كانت على مر الأزمنة ضد بعضها البعض، والآن وفي هذا العصر يجب أن تكون هناك علاقة بين هذه الأديان عن طريق الحوار الذي يؤدي إلى أن يقوم كل دين بفهم الدين الآخر في علاقة سامية تهدف إلى السلام والتعاون على بناء الكون. الحوار الحقيقي يتطلب تغذية واعية. والفوائد من علاقات الحوار على مستوى الأفراد وعلى المستويين المحلي والدولي لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها، والحوار يجب ألا يكون تكتيكاً للإقناع أو استراتيجية لتغيير الدين لأنه ليس دعوة بمفهومها المعروف، لكن الحوار هو طريقة للوصول إلى تفهم متبادل عن طريق القيم المشتركة وتبادل المعرفة بين المتحاورين وزيادتها حول الدين والثقافة.

كما ويجب تشجيع الحوار الذي يهدف للوصول إلى ما يسمى "المجتمعات المتعلمة"، بدلا من بقاء المجتمعات في وضع "تعليم الآخرين" لأن المجتمع الذي يكون دائم التعلم خير من المجتمع الذي يدعي تعليم الآخرين. كما أن تدريس الناشئة على نقاط الالتقاء مع مجتمعات العالم أفضل من تعليمهم نقاط الاختلاف معهم، لأننا نيسر لهم فرص التعايش مع الآخرين، بدلا من استمرار الخلاف والنزاع والشقاق معهم، ففي ذلك استقرار للمجتمعات وازدهارها.

لكن ما هي العلاقة بين السياسات والدين؟ إن مصدر التوتر الديني والسياسي هو الحركات العالمية المتضادة المتمثلة في زيادة الوجود العلماني في بعض أجزاء الكرة الأرضية وزيادة المتدينين في أجزائها الأخرى؟ فزيادة التدين الإسلامي كبيرة، والتدين المسيحي في أوروبا زاد بنسبة 20%، وفي أميركا بنسبة 65%، وبما أن حركات التدين قد تحدث تأثيرا عظيما على السياسات الداخلية فإنها في ذات الوقت، قد تستغل الدين وتسيء استخدامه للوصول إلى غايات محددة والحصول على مزايا، مستغلة بذلك الجهل لتضع بذور عدم الأمان والاستقرار للبقاء في مراكز القوة. وهذا التمازج الحرك والنشط بين الدين والسياسة يعمل كمحفز مستمر للخلافات والنزاعات العالمية في ظل وجود الجهل والتدين الأعمى المتطرف والحركات القومية. تلك النزاعات التي تؤدي إلى الحروب، لأن ذلك أدى إلى وجود قوى سلطوية ظالمة تطلب مقابلتها بالعنف والحرب والاحتلال. وأمثلة ذلك كثيرة ومعروفة ومنها ما نشاهده الآن من اقتتال في مختلف الساحات في العالم كشواهد على هذا الطرح. هذه المشكلة أدت إلى نشوء المشكلة الثالثة.. الإرهاب. والواقع أننا حتى الآن لم ندرس التعريف الحقيقي للإرهاب ولا كيف أدت المشكلة الثانية إلى نشوئه ولا كيف يمكن تحقيق حلول فاعلة له؟ بل إننا نرى ونلمس أن كل الحلول التي تم تبنيها عالميا أدت إلى مزيد من الإرهاب. الغرب يستخدم تقدمه العسكري كحل للقضاء على الإرهاب وثبت أن هذا الشعور الغربي المتغطرس المتكبر يؤدي إلى العكس. والغريب أن الغرب أيضا لم يقم بعملية تقييم حقيقية لممارساته خلال العقد الماضي في القضاء على الإرهاب ليعرف أين نجح وأين أخفق، كي يغير من أساليب تعامله مع المشكلة، بل يستمر في نفس الممارسات مما يحدو بنا إلى الشك في أن الغرب ليست لديه بالفعل رغبة حقيقية في القضاء على الإرهاب، وأنه لا يستفيد من هذا الوضع الذي جعل منطقتنا ملتهبة. ونظن أنه استفاد منها فوائد جمة من حيث تغيير وجهة السياح العرب والمسلمين إلى دوله، واستفاد من عقود البناء نتيجة تدمير الإرهاب، واستفاد من عقود السلاح التي تشتريها تلك الدول التي تعاني من الإرهاب. والحل أن يقف العرب والمسلمون وقفة شجاعة ليقولوا للغرب: إن الوقت قد حان لدراسة الممارسات التي تمت في العقد الماضي للقضاء على الإرهاب من أجل تعديلها الذي يكفل القضاء عليه قضاء مبرما.

وخلاصة القول، إن عالمنا يعاني من ثلاث مشكلات مدمرة في ظني أن العالم غير جاد في حلها، وهو يخفي الكثير من تفاصيلها، لأنه من ناحية المتسبب في بعضها مثل مشكلة الاحتباس الحراري، ومن ناحية أخرى هو المستفيد من بقائها مثل مشكلتي التعدد الديني والإرهاب.