وأنا أتابع برنامج "ساند"، الذي أقرته مؤسسة التأمينات الاجتماعية كبرنامج تكافلي يضمن للمفصول من عمله لظروف خارجة عن إرادته مرتبا يوازي 60% من مرتبه في عمله الأخير، حتى لا تتأثر حياته المادية والاجتماعية ويكون سندا له إلى أن يرزقه الرازق بوظيفة أخرى؛ تذكرت قصة "كوب قهوة على الحائط" والتي حتى الآن لا أعرف من الذي كتبها، رغم محاولتي معرفة كاتبها الرئيس، وتواصلي مع بعض الأشخاص الذين أتوقع أن أحدهم كاتبها، وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم أعرفه ولكن أعدكم بأنني سأشير إلى كاتب القصة، بمجرد أن أعرفه ولو في مقال قادم، سأخبركم بالقصة على طريقة الأستاذ إياد عبدالحي والتي أعاد صياغتها بعد أن وصلته عبر أحد برامج التواصل الاجتماعي، وانتشرت إثر ذلك بشكل جميل ورائع، ولعلكم تستنتجون من خلالها ما الذي جعلني أربط بينها وبين برنامج "ساند". تقول القصة:

"دخلتُ لمقهى في جزيرة البندقية بإيطاليا، وطلبت كوبا من القهوة وقطعة كعكٍ تنقلت بينهما ما بين مرتشف وقاضم متأملاً في الهدوء الذي عج به المكان فلا يقطعه إلا قرع الجرس المعلق على الباب وهو يُعلن عن دخول أحدهم أو خروج إحداهن، ومع وصولي لنصف جعبة كوب قهوتي، دلف أحدهم للمكان وسحب مقعداً بجوار طاولتي فسارعه النادل بعد هنيهة من جلوسه فقال له الزبون: لو سمحت، احضر لي كوبا من القهوة، وكوباً آخر على الحائط.. اندهشت من طلبه، وتساءلت بيني وبين نفسي عن قصده بـ(كوب قهوة على الحائط)؟ ولم أجد غير الانتظار والترقب للمشهد حلاً لي!

بعد لحظات جاء النادل وفي يده كوب قهوة واحد فقط، قدمه لجاري، ثم أخرج ورقة صغيرة وكتب عليها (كوب قهوة) وتحرك نحو الحائط وألصقها عليه وانصرف تاركا على رأسي صفا من علامات الاستفهام والتعجب من فينسيا إلى المسفلة تحديدا!

بعدها بدقائق معدودة دخل ثلاثة وكرروا ذات المشهد بأن طلبوا ثلاثة أكواب قهوة وزادوا عليها بكوبين على الحائط! فلم يكن من النادل إلا أن أحضر لهم الثلاثة أكواب، ومن ثم ألصق ورقتين على ذات الحائط بعد أن كتب على كل واحدة عبارة (كوب قهوة)! أحسست وقتها برغبة عارمة في الصراخ بكل أسئلة الاستفسار؟ إلا أني تذكرت أني في قارة "كل مين في حاله" ولست في بلد تتساوى فيه عبارتي "السلام عليكم" و"إيش الهرجة" في طرحها على الآخر!

حسنا، وما هي إلا دقائق حتى دخل زبون آخر رث الملبس إلى حد ما، فجلس بالجوار فأتاه النادل فقال له الزبون بهدوء: كوب قهوة من على الحائط فقط!

فذهب النادل ومن ثم عاد بكوب قهوة ووضعه على طاولة الزبون، ومن ثم اتجه صوب الحائط وانتزع إحدى الأوراق الملصقة عليه"!

أعتقد أن الفكرة قد وصلت ويا لدماثة خلق صاحبها! إنها التكافل الاجتماعي يا سادة وبطريقة جدا مهذبة ومحترمة ومكتظة بالذوق، طريقة تضمن لمن ليس لديه ثمن كوب قهوة من الفقراء أن يطلبها دون حرج وبهدوء لا يخدش كبرياءه ولا يبعثر كرامته! وفي الوقت ذاته تعطي للمقتدر فرصة التصدق بثمن كوب قهوة دون التأثر ببؤس نظرات الفقير والمحتاج!

إن برنامج "ساند" الذي فعلته مؤسسة التأمينات الاجتماعية مشابه لما فعله صاحب هذا المقهى الإيطالي، والذي يرتكز على مفهوم التكافل الاجتماعي، الفرق أنه فعلها على حائط مقهى صغير ونحن سنفعلها على حائط كبير وشاسع بحجم مملكتنا، "ساند" فكرة حسنة تجعلنا نقف على يد رجل واحد مع من يفقد وظيفته التي قد تكون مصدر دخله الوحيد وندعمه حتى ينجح في الحصول على وظيفة أخرى، وقد يكون هذا الشخص صديقا أو قريبا أو أخا، والأهم من ذلك أنه سيكون حتما ابن بلدك الذي قطعا لن يبخل أحدنا على دعمه ومساندته في أصعب أوقات حياته.. خسارة العمل.

قد يقول البعض نحن دولة غنية ولا نحتاج إلى هذا البرنامج، بل يجب على الدولة أن تتكفل بهؤلاء الذي يخسرون أعمالهم لظروف خارجة عن إرادتهم، ولكن لو نظرنا لها من زاوية أبعد لعرفنا أنه حتى الدول تتعرض لعجز في ميزانياتها السنوية ونحن قد عانينا من ذلك سابقا، وحينها نستطيع نحن أبناء الوطن أن نـ/ساند بعضنا البعض حتى ننجح جميعا، وننعم بنظام يكفل لنا عدم انقطاع الدخل الشهري، والذي لا يخفى على أحد ماذا يعني أن يفقد أحدنا مصدر دخله المادي والذي في الأغلب سيكون المصدر المادي الوحيد.

المهم في هذا البرنامج هو الشفافية في طريقة عمله وتكاليف تشغيله والمبالغ التي صرفت منه والفائض أو العجز وطريقة موازنته، وهذا ما أعتقد أن مسؤولي البرنامج لن يغفلوه، وسيحرصون في نهاية كل سنة عن الإعلان عنه؛ ليعرف كل واحد منا كم شخصا استطعنا أن ندعمهم، وكم كلف ذلك من أموال، وماذا ستفعل مؤسسة التأمينات الاجتماعية بفائضه.