كان عليّ أن أقوم بزيارتها بطلب من والدتي، رغم أني لم أكن أرغب في رؤيتها حزينة ومتوجعة، لقد تشبعت تماما من أحزان من حولي، ولا أريد أن أتعذب برؤية "أم عبدالعزيز" وهي تعيش مذاق العذاب والنكسات والفواجع، لم أكن أريد أن أراها خائرة وضعيفة جدا وهي تطلب من الله أن ينقذها من هذا الظلام، أعتدت دوما أن أراها مثل خزانة ياسمين، تفوح نبلاً وبهجة، خشيت من ضعفها، خشيت من أن تفهم زيارتي إليها خطئا، ولكن والدتي -حفظها الله- طلبت مني ضرورة زيارتها والحديث معها ولو لدقائق، كنت مضطربة جدا، سيدة خمسينية تزوج زوجها عليها منذ أشهر دون سبب، والآن يقوم بطلاقها، لكي يتخلص من همومها هي وأبنائها.

رغم أن الجميع يقولون إن أسباب الزواج والطلاق مجهولة، عداي أنا كنت متأكدة أن "أم عبدالعزيز" السيدة "هيا" تعرف كل الأسباب، وتعرف لماذا قرر زوجها الزواج بأخرى، وأيضا طلاقها، إنها أزمة منتصف العمر التي يمر بها الكثير من الرجال، وخصوصا رجال الأعمال، أو من يمتلكون ثروة لا بأس بها.

حينما ذهبت إلى زيارتها مع شقيقتي، وجدت السيدة "هيا" تصرخ بعنف شديد وبعدها تسقط مغشيا عليها، والنساء يتحوطنها وهن يشتمن كل الرجال على ظهر هذا الكوكب، كان المشهد مفزعا جدا، وغضبت كثيرا من والدتي التي طلبت مني رؤيتها والطبطبة على قلبها، حزنت للمشهد الدرامي الكبير الذي شاهدته، لأنه لا شيء يعدل الرجل في حياة المرأة السعودية، وها هي "السيدة هيا" تتآمر الحياة عليها، وتُخذل من أقرب الناس إليها أمام نفسها وأبنائها وأحفادها، والآن أمامنا جميعا الأقارب والجيران، لقد باتت السيدة "هيا" حديث اللحظة، والكل يحاول أن يساعدها بقدر ما يجب.

كنت أتلصص عليها، أشاهد حزنها، هزيمتها، إحباطها وإذلالها الذي تقشعر به النفوس وفقدانها المرير لزوجها، خذلانها أمام جميع النسوة اللاتي حولها، حاولت أن أزيح أجساد النساء وأحتضنها، ولم أجدها سوى جسد منتفخ لا شيء بداخله، إنها بالونة قابلة للانفجار، تبادلنا النظرات الغائمة، كان الحزن أيضا يطغى عليها، وجل ما كنت أفكر به، الأيام القادمة التي ستعيشها وحيدة ودون رجل، لم أستطع أن أتكلم، كنت مأخوذة بهدوء الكون وغروب الحسرة وإحساس ساذج بآدميتي، ودوري في الكون، وبحثي عن ذاتي ضمن جوقة النساء.

أثناء خروجي من المكان رفعت رأسي ومسحت دموعي وقلت لشقيقتي وأنا أضع يدي على صدري، إن السيدة "هيا" تبدو متأثرة جدا بالمسلسلات الكويتية، وهذا واضح من ردود أفعالها الغريبة، ضحكت شقيقتي وكانت حينها تمسح دموعها بصمت وخجل، وقالت "شعرت وكأني أرى حياة الفهد على غفلة"، لم أكن أريد أن أقلل من حجم الحزن الظاهر أمامي، ولكن الحقيقة أن كل ما شاهدته في بيت "أم عبدالعزيز" كان عبارة عن إعادة رديئة لمشاهد تلفزيونية تعبنا منها ومللنا من تكرار مشاهدتها، و"أم عبدالعزيز" بعد أن كبر أبناؤها، كان عزاؤها الوحيد متابعة المسلسلات والبرامج التي بسبب سوء ثقافتها لا تستطيع أن تصنفها بأنها تافهة أو ساقطة.

إنني بالفعل أتمنى بدلاً من أن يتم عرض مثل هذه المسلسلات التي تؤثر على الكثيرات في المجتمع الخليجي، أن يتم استبدالها بمسلسلات تعلم السيدات معنى العزة والكرامة وكيفية الاهتمام بأنفسهن وتجاوز المحن والتحدي، فأنا لم أجد مسلسلاً واحداً، له قيمة عظيمة يخبرك أن الحزن لا يستمر، وأن الحياة لا تتوقف على خذلان أبي عبدالعزيز وأبي فهد وغيرهما، كما أتمنى من المحطات الفضائية، بدلاً من أن تقوم بإنتاج مسابقات "ملطوشة" و"منسوخة" من البرامج الأجنبية، أن يكون لها فكر مؤثر وتنتج برامج ومسلسلات ذات قيمة، بدلاً من دموع "حياة الفهد" وغيرها، أن تضع مثلاً برامج تطويرة للمرأة، أن تكون بوصلة أمان، خصوصا للناشئات اللاتي بدأن العمل لتوهن في مجال مختلط، وتستقدم أفضل الخبيرات اللاتي يمكن عبر مشهد تمثيلي، أو لقاء مع مختصين، إخبار الجمهور بكيفية تلقي صدمات الحياة، ويا حبذا لو تم ربط مثل هذه الأمور بالفكر الديني، بدلاً من الصراخ والعويل، والخوف من المستقبل وكأن الحياة ستنتهي بمجرد أن "أبو عبدالعزيز" قرر أن يعود صبيا مراهقا، ويتزوج امرأة جديدة.

وعرجاً على ما شاهدته من ألم السيدة "هيا"، فإنني أورد قصة عايشت كامل تفاصيلها، وأنا بحق أفخر بهذه السيدة، التي لم تنل سوى شهادة الصف الرابع ابتدائي، حيث تناهى إلى مسامعها زواج والد أبنائها من طبيبة أسنان مطلقة، في اليوم الذي سمعت فيه الخبر، بكت لأقل من نصف ساعة ثم رفعت رأسها ومسحت دموعها، وتعطرت وتجملت وذهبت لحضور حفل زواج كانت قد دُعيت إليه مسبقاً، هذه السيدة لم تصرخ ولم تبك ولم تولول ولم تأخذ من المسلسلات الكويتية مثلاً أعلى لكي تكسب تعاطف الآخرين، وإنما اعتمدت على فطرتها التي خلقها الله وأقسم به، ألا وهو "الكيد". بدأت تتعرف على نفسية زوجها أكثر، وتعرف نقاط ضعفه، وبكل هدوء باتت تجيد اللعبة، حتى عاد زوجها إليها دون أية أضرار جسدية أو مادية، بل بات الجميع يتحدثون عن مدى اهتمام هذا الرجل أكثر ببيته وحرصه على إسعاد أبنائه، وحينما سألت هذه السيدة عن المعجزة الحقيقية التي قامت بها، ردت علي بهدوء: "لم أصرخ ولم أولول، ربما رأى دموعي، لكني تعاملت مع ما حدث بتحد خاص بيني وبين نفسي، ونجحت جدا"!