في المرحلة الثالثة لصحوة "أبو الفواريز"، الذي كان ومازال يُدعى لحضور مناسبات الإخوة الذين لا يدخلون مجلسه، للمحاضرات، والمخيمات، والندوات، وحلقات الدروس، والرحلات بأنواعها جبلية وبحرية وبرية... إلخ، إلا أن "أبو الفواريز" وعلى الرغم من كل الإغراءات والعروض، لم يستجب سوى لدعوة واحدة فقط من ذلك الكم الهائل.
كانت محاضرة ودرسا نسيت موضوعه للشيخ النجمي ـ رحمه الله ـ حسبما أتذكر، في تلك الفترة كان واضحا أن هناك تخبطا وخللا في خطة العمل "الصحوي"، وهو ما أكدته عشوائية اعتلاء المنابر الخطابية، وترؤس حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وقيادة المخيمات الصيفية أحيانا، إذ أتيحت الفرصة كاملة لبعض الرعاع، والمعاقين فكريا وثقافيا، ومحدودي التعليم، وهم الذين لم يقرؤوا في حياتهم كتابا واحدا في أصول الفقه، أو حتى يملكون الإلمام بأصول الخطابة، أو نطق اللغة العربية الفصيحة، فضلا عن مستوياتهم القرائية الثقافية المتنوعة، إذ كان معظمهم ممن وقع تحت تأثير الضغط النفسي لخطباء ما عرف "بالشريط الإسلامي"، لتحدث حالة التحول الدراماتيكية في شخصياتهم، وتبرز فجأة على السطح تلك الشخصيات المتدينة، أو بالأصح المتمدينة، مصدقة ما أسبغ عليها من ألقاب متعارف عليها بينهم، ويمنحها لهم المجتمع البسيط مباشرة، فبمجرد تقصير ثوب وحفظ بعض الآيات وعدد من الأحاديث، ستحصل على لقب "شيخ" مباشرة، وليتمكنوا بين عشية وضحاها من إلقاء خطب الوعظ على الناس، لمجرد أنهم انضموا للدعوة، وقصروا الثياب وأرخوا اللحى!
لن ينسى "الصحويون" يوما أنهم قد استخدموا كوقود لحرب لم تكن قضيتنا في الأساس، وأنهم قد استغلوا أسوأ استغلال من قبل قوى خارجية، حركتهم كالدمى، وهم في غفلة من أمرهم؛ لأن الحركة التي تقدم المعاقين فكريا وأخلاقيا وتضعهم في المقدمة، لا يمكن أن تكون صحوة أبدا، بل إنها أقرب إلى العمل الانتهازي الذي يحاول الحصول على كل شيء مرة واحدة، فيتخبط ثم يمرض.
لقد كانت مثل تلك الأحداث المريبة، من أشد النواقيس التي أيقظت في رأس "أبو الفواريز" الأسئلة الصعبة، حول من ولماذا وكيف؟! وجعلتني أبحث عن زوايا أكثر عمقا لرؤية المشهد، فبدأت بمخالطة بعض المنتفعين من الانضمام إلى تلك المجاميع "الدعوية"، ورحت أجادلهم لأستحثهم على الحديث فيما يشكل لهم حرجا، وقد أخذت ما أريد على أية حال، في هذه المرحلة كان لدي جار لطيف يُدعى "يحيى رباح"، شاب ليست لديه أية توجهات أو انتماءات، ولم تستهوه تلك الحركة مطلقا، بل كانت بالنسبة له أمرا غير مستساغ على الإطلاق، وقد كنا نتبادل النقاشات الطويلة حول ما يحدث، وكم كانت سعادتي بوجود صديق يشاركني نفس التوجه، إلا أنه كان أكثر فهما مني لما يدور، وكم كانت دهشتي كبيرة به وهو يعلن بثقة، أن كثيرا من هؤلاء الذين نراهم على المنابر سيعودون إلى طبيعتهم قبل انقضاء العام، وكنا حينها في العام الثالث لما سُميت "بالصحوة"، وقد راهنني بوضع مفتاح سيارته النيسان 240L في يدي قائلا: "لو انتهى هذا العام وفلان وفلان وفلان، قد بقوا على ما هم عليه من التدين، والخطابة في المساجد، فالسيارة حلال زلال عليك"!
وقبل أن ينقضي العام خسرت السيارة السوداء الجميلة، فقد عاد كل منهم لما كان عليه من الحال، وثبت أن ذلك لم يكن في حياة بعضهم، سوى اختطاف لم يدم أكثر من 900 يوم وليلة، لم ولن أنسى هذه القصة ما حييت، فأنا مدين لها ولصاحبها بالكثير من الفضل في تأكيد عدم انجراري خلف تلك الدعوات المريبة، وصحة موقفي وموقف والدي ـ رحمه الله ـ مما انتشر على أنه "صحوة دينية"، لكن هذا لا ينفي أن كثيرا من الأصدقاء الذين أعرفهم انخرطوا في الدعوة، كانوا أنقياء وصادقين ومتأثرين فعلا، وهم من أدركوا فحوى كثير من الأمور، ومازالوا متدينين معتدلين رائعين.
الآن وبعد كل تلك السنين، تكشفت خلالها للشارع الكثير من الأبعاد التي لم يكن يلقي لها بالا، وأدرك أنه ربما كان في لحظة ما فريسة دسمة، لمن لم يره إلا من تلك الزاوية، فأصبح أكثر حذرا وأكثر تحليلا لمختلف الأحداث وتقلباتها، وهي عبقرية الاحتكاك التي اكتسبها على مدى السنوات الماضية، وشكلت له قواعد جديدة فاحصة لكل شيء قبل أن تكون مجرد تابعة لأي شيء.