كل عام وأنتم في خير مقام وأتم عافية وضمائركم إلى الله تعالى أقرب..
أيمكن أن تكون الحرية كلمة "إسفنجية"!! بعد أن اعتدنا القول بأنها "مطاطية"؛ فالجميع يؤمن بالحرية، بذات الوقت لم يتفق أحد أبدا على مساحاتها؛ فما يُسمى بخط أخضر ضمن حرية فلان في جغرافية ومعتقد ما يُسمى خرقا للقانون المجمع عليه عند آخر! لأن كل فرد منّا في الحياة وعبر التاريخ يفهم خطوطها الخضراء بما يسمح له محيطه الأسري وبيئته الاجتماعية ومعتقده الإيديولوجي، والأخير ذو سلطة كبيرة في تكوين فكرة المجتمع وممارسته للحرية؛ فلكل عقيدة وشريعة على وجه الأرض مفهوم خاص لها؛ يديره أصحابها المعتقدون بها وفق تفسيراتهم لتعاليم دينهم ونصوصهم، ولكن الجميع ينشد الحرية ويغني لها ويؤمن أنها أمر حتمي يحتاجه الإنسان ويسعى إليه أيا كان.. إنها مطاطية بالفعل.
اليوم اسمحوا لي بإضافة صفة "إسفنجية" لها ولكن في المجتمعات العربية؛ لماذا؟! لأنها عند العرب أشبه ما تكون بإسفنجة؛ ينادون ويتقاتلون للحصول عليها؛ ويسعون باسمها للسلطة سياسيا أو مذهبيا أو ثقافيا؛ وحين يحصلون عليها يستخدمونها في تنظيف الآخرين من حرياتهم!! لمجرد اختلاف إيديولوجي أو تضارب في المصالح المشتركة، وتكفينا البرامج الحوارية الفكرية على الفضائيات لتسمع تطرف الحوار ممن يستخدمون إسفنجة الحرية في تنظيف الآخرين من إسفنجاتهم!! إذ إنه بقدر ما يمتصه الفرد العربي من حرية التجربة في بيئته وثقافته ومحيطه مهما كان فكره مستنيرا؛ بقدر ما سيكون وعي ضميره بمستوى الحرية التي يُمارسها مع الآخرين؛ ولا أظن أننا نستطيع فهم حرية الآخرين بيننا إن لم نكن قادرين على ممارسة حريتنا ضمن دائرة الآخرين أيضا!! وكما يقولون: فاقد الشيء لا يعطيه.
ببساطة؛ الحرية ليست مجرد مطلب إنساني؛ لأن الحيوان والحشرات والنبات كل يطالب بها أيضا، ولا يعيش دونها سوى ذابل بائس كحال المستعبد من الناس؛ ولتعرف؛ حاول حبس نبتة عن الضوء وراقب ذبولها، حاول حبس نملة داخل كأس زجاجي لتعرف مدى المجهود الذي تبذله بحثا عن مخرج! وانظر للعصفور في قفصه؛ كيف يقفز يمنة ويسرة بحثا عن الخروج؛ وفيما يصرخ تغريدا، يستمتع مالكه به ظنا منه غناء ومن قفزه رقصا!! فالحرية فطرة غريزية في مخلوقات الله تعالى جميعا، لكنها في الإنسان لها خاصية، أن تحققها مرتبط لديه بمستوى قدرته العقلية في التفكير؛ ولهذا الإنسان المؤمن تجد الحرية لديه مطلبا لتدين حقيقي، فلن يكون مؤمنا بحق ما لم يكن حرّا بحق؛ ولأجل ذلك جاء الإسلام العظيم معززا قيمتها الإنسانية في قيمتها العقلية خلال تحريضه على البحث والتنقيب وتقليب البصر والقلب، كي تكون سببا لإيمان أقوى، ولطالما القرآن العظيم يعزز قيمتها بالإشارة إلى مفتاح العقل باتجاه الحرية؛ وهو السؤال كـ"أفلا تعقلون"؟! "لعلّكم تعقلون"؟! "إن كنتم تعقلون"؟!.
أخيرا، نصيحتي قبل أن يبدأ أحدنا باستعمال "إسفنجته" لتنظيف حرية الآخرين بها؛ عليه أن يدعها تمتص تجارب الآخرين أولا أقصد "الماء والصابون" لتكون صالحة للاستعمال؛ ولا تنسوا كل واحد يخلي عينه على "إسفنجته"!!