(لبلادي .
لكل القرى في العالم .)
أحمد أبو دهمان
الكتابة اليوم تأخذ منحى مختلفا لأنني أكتب عما أحب وهو الجنوب؛ ولأن النقد مما أحب!
بين يدي كتاب من الكتب التي لا تحلق بالقارئ وحسب، بل تخطفه من كل ما حوله وتحمله باتجاه عالم خلاب ليس من صنع الخيال لأنه صياغة للواقع بشكل خيالي!
الرواية القصيدة الحزام للشاعر والكاتب الأستاذ أحمد أبو دهمان. يحكي في بداية الكتاب القصيدة عن طفل جنوبي يعتد بنسبه حتى آدم القبيلة كما يعتد بكل تفاصيل حياته القاسية والتي صنعت منه رجلا وهو طفل، وأبقت على الطفل بكل شفافيته وصدقه في أحمد الكاتب والإنسان.
كتاب لو لم تكن سعوديا لتمنيت أن تكون لأجله؛ ولو لم تكن جنوبيا فستتمنى أن تكون جنوبيا لأجله!
رحلة حياة لم يكتبها المؤلف للنشر في البداية كما لم يكتبها باللغة العربية، بل كتبها ليطلع زوجته وابنته باللغة الفرنسية على تفاصيل وطنه الذي لم يغادره وهو يمضي الشباب في فرنسا؛ لذا كتبها بحنان الأب وعشق الوطن وحنين للماضي عالق بين إحداثيات المكان والزمان والأهل والأحباب، فكان الرجل الحزام عنوانا للكتاب القصيدة!
من هو الحزام؟
هو رجل يحمل التاريخ والقيم بكل صلف الرجولة التي تخاف القادم والغريب والمختلف؛ فتتبنى نظرة قيمية عالية وحذرا قد يفزعه أن يرى طعاما مختلفا عما ألفه!
في الحزام القصيدة يصف أبا نبيلة لنبيلة وأمها السحاب والمطر الصاعد للسماء والغمام والأرض التي تحكي الأخضر دائما!
رحلة لقرية في الجنوب لا تمل؛ ورحلة ستجد نفسك متصالحا مع قيم الطفل التي بثتها أمه وأبوه وحزام فيه.
في الرواية القصيدة ستجد كل العائلة: الأم التي تعلم ابنها الشعر، والأب الذي يعشق البهجة، والأخوات الممتدات في حبه وقلبه ورعايتهن له؛ حتى الجارة التي تتمنى ألا يكبر أحمد الطفل لتبقى قادرة على تقبيله!
في الحزام ستصادف الاغتراب عن القرية، وستجد نفسك غريبا مع بطلها في القرى والمدن المجاورة.
ستعيش وجع الطفل؛ كفاحه ليعي ويكبر وعيه. وستبصر الماضي سفينة تقترب من شواطئ المؤلف ولا تبتعد أبدا، وكأنه ما يزال لم يغادر القرية، وكأن الزمن بتفاصيله الحاضرة والماضية التقى في نقطة سرية لا يعرفها إلا أبو دهمان فأخذ ينهل منها!
كتاب يأخذك للجنوب وللماضي ولا يعود بك فتبقى نفسك بين حتى ولماذا وكيف وكل علامات الاستفهام والتعجب. كيف مر هذا الزمن مسرعا ومن سرق تلك التفاصيل الجميلة؟ (من لا يعرف نسبه لا يرفع صوته. هكذا علمتني القرية قبل كل شيء. أحمد بن سعد.. قحطان بن عامر) ص 9. هكذا بدأ الحزام فتجاوز قحطان إلى عامر كما تجاوز وانحاز إلى ما علمته أمه!
بعد النسب المدخل انتقل إلى الترحيب بالقراء العرب (اعتدنا ألا نرحب بأهل البيت لكني سأختصكم بصوت حزام : (مرحبا تراحيب المطر) يقولها مرة واحدة أيا كان الضيف، ثم يكف) ص 14.
ثم يذكر احتفاء قارئة من المغرب بالكتاب قائلة: (هذه ذاكرتنا ردت إلينا) ص14. ما أروع هذا الرد الجميل!
كل كلمة عند المؤلف تحمل طاقتها الخاصة، كيف لا وهو الشاعر صديق الكلمات؛ وكأن كل كلمة باحت له بسرها فسما بجماليتها فوق المعتاد، فكانت الرواية المملوءة شعرا وحبا حتى المفردات وعلامات الترقيم!
حضور طاغ للمرأة في القصيدة الحزام رغم أن العنوان رجل، لكن التفاصيل امرأة بحضور سيدة القصيدة الأولى أمه في فصلها الأول (زوجة زوجته)، ويبدو الرجل في القصيدة منقادا للمرأة الجنوبية التي تحكم تفاصيل الحياة وتترك الرجل ليكتب عناوينها!
(علمتني أمي الشعر، وأبي علم أختي العزف. أسرة تشبه الحلم). ص 19
(كنت أغذي روحي برائحة أمي، بنظراتها بجمالها. كل أهل القرية يعرفون رائحتها وخبز يديها). ص 19
لا أريد أن أنتهك تفاصيل الرواية، لكن المرأة حاضرة في وعي الكاتب الطفل والكاتب الرجل لم ينفك عنها ولا لحظة! بل في كل تفاصيل القرية حتى في اجتماعات الرجال وتعليقات النساء، وربما وصل غضب إحداهن لاجتماع الرجال معبرة عن حقيقة خفيت عليهم!
في فصل عنوانه العالم الآخر يقول المؤلف: (بدت لي اللغة في المدرسة أغنى وأكثر اتساعا من كل الحقول. كنت ألمس الكلمات، أداعبها، أقرؤها، أكتبها، أتصورها. هنا أصبحنا أطفالا فقط). ص 39
(لم يحدث أن ذهبت إلى المدرسة قبل أن أذهب إلى الحقول لمساعدة أبي... أحمل ملابس المدرسة وحذاءها على كتفيّ ومعها بعض أدوات العمل الزراعي، أعمل في الحقل في البرد، في الطل والندى، إلى أن تأتي أمي لاستلام الأمانة، أرتدي ملابس المدرسة وحذاءها وأذهب). ص43
المدرسة بقيمها الجديدة تشكل الدهشة للطفل الرجل وسط تفاصيل القرى والمدن.
سنجد فصلا عنوانه (ذاكرة الماء) يحكي تجربة التحول للرجولة في أعين رجال القرية.
وفي (قوس قزح) احتلت الحبيبة سماء الشاعر ولونتها. (هنا في قريتنا ولدت أول قصيدة، نبتة ذات ألوان كثيرة لا تحصى، وكل لون له عطور وروائح لا تعد، وكل عطر له من الأرواح ما يملأ الكون). ص73
حقيقة وجدت نفسي أمام الخاتمة دون أن أقول شيئا يستحقه جمال النص.
ربما أعود لأكتب عن مضمون الرواية مرة أخرى.