على مدار التاريخ البشري كان وما زال الدين أهم وسائل الاستغلال السياسي، فكم من حروب هدفها سياسي بحت قامت تحت لواء الدين وليست منه في شيء كالحروب الصليبية. وإلى عهد قريب وتغليف المطامع السياسية بالدين كان يتم بمهارة جيدة، لا توحي بشكل فج إلى الهدف السياسي النهائي، بل إن الشكل الخارجي يوحي بأن الدفاع عن الدين هو المقصد الأول. أما ما شاهده الجميع من مواقف وردود أفعال تجاه الحدث الأبرز والأسخن على الساحة الطائفية في العالم الإسلامي، وهو إساءة المدعو ياسر الحبيب ومن معه في حفلة لندن المشؤومة لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق (رضي الله عنهما)، فإنه يمكن وضع بعضه في خانة الاستغلال السياسي العلني (غير المغلف) لتلك الحادثة التي هي في الأساس أمر ديني لا يحق لأحد توظيفه في غير محله الطبيعي.
ولعل أبرز تلك المواقف المثيرة للدهشة ما حدث في المهرجان الجماهيري الذي نظم في دولة الكويت لنصرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحت عنوان "ثوابت الأمة"، حيث بدأ الحديث منطقيا من حيث المطالبة بمحاسبة هؤلاء المسيئين والرد عليهم وهو مطلب عام, ثم فجأة فرض المتحدثون الذين يمثلون نواب المعارضة السياسية في الكويت، المنطق السياسي على الحدث الديني، وحولوا المكان والزمان إلى حفلة شتائم سياسية ضد الحكومة، دون رابط واضح بين ما نظم المهرجان لأجله وما يتحدثون عنه، بل إن من تابع جميع الكلمات التي ألقيت يجزم أن التجمع انتخابي بامتياز.
وفي المقابل رأينا في بعض مواقف الطائفة الأخرى ـ التي تنفي انتماء الحبيب لها ـ من يحاول تصفية حسابات سياسية قديمة مع خصومه، بل ورميهم بتهم من قبيل الإرهابيين والتكفيريين، في استغلال سياسي واضح للموقف دون الدخول في لب القضية الدينية ومناقشتها نقاشا علميا جادا.
وأتمنى هنا ألا يأتي أحد السائرين ـ من الطرفين ـ في الزفة السياسية ليقول إنني أريد بما ذكرته سابقا، أن يصمتوا عن قول الحق، وألا ينظموا أي فعالية ترد على ياسر الحبيب وأمثاله من المتطرفين، فحديثي واضح عن أهمية منع استغلال هذه الأحداث للاحتراب السياسي، وجمع الحشود تحت غطاء ديني ثم شحنهم سياسيا وأيدلوجيا، لأن في هذا إساءة للدين ولرموزه الحقيقيين. وربما قلص هذا الفعل مكانة الدين في نفوس العامة، حين يكتشفون أن كل هذا الهرج والمرج من أجل هدف دنيوي/ سياسي لا أقل ولا أكثر. وأخيرا أقول لهؤلاء: احترموا العقول، فما زال هناك من يزن الأمور، ويعرف الغث من السمين.