العنوان هو لكتاب ينضح جمالا، لقلم كالماء سلاسة، وبياضا، وإرواء. هو قلم عزيز ضياء "رحمه الله"، ويفترض أن الكتاب تحول منذ زمن بعيد أو قريب إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني؛ لأنه يحمل في داخله كل جينات النجاح في أي صورة مرئية ظهر بها، ولكن ذلك لم يحدث، للأسف.
تدور قصة الكتاب حول ما عرفته العامة في ذلك الزمن باسم "السفر برلك" وهو الإجلاء القسري الذي قامت به الدولة العثمانية لأهالي المدينة المنورة أيام الحرب العالمية الأولى؛ بحجة أن الموارد من غذاء وشراب في المدينة لن تكفي إلا الجنود؛ لذلك ألزم الأهالي على مغادرة بيوتهم وحياتهم كلها إلى المجهول بعد أن حملوهم على القطار!
وقد حكى الكاتب قصّته الشخصية حين كان طفلا، إذ تم ترحيله مع أسرته المكونة من جده لأمه، ووالدته، وخالته، وأخيه الأصغر، وكيف بدأ رحلة كانت مؤلمة له ما بين جوع وحرب وحب. ولكنها مشوّقة لنا من أول سطورها وحتى آخرها.
لا نملك أمامها ألا أن نواصل القراءة، فيها منعطفات لا يجيدها إلا سارد عبقري، قادر على أن يمتلك ذهن القارئ "المشاهد" منذ أول مشهد وحتى آخره، وفيها صور خلابة قادرة على استفزاز أي مخرج فنان، بدءا من حارات المدينة القديمة وأزقتها وأهلها وأساطيرها ومن ثم البابور "القطار" الذي حمل الطفل عزيز وأسرته إلى المجهول، وحتى الحياة في الشام، ومن ثم العودة عن طريق البحر.
فيها حيوات جديدة، وفيها موات كثير، وفيها حب ولغة بصرية آسرة. فهل ستخرج يوما من أسر الورق؟!