حين تراجعنا عن دورنا كأولياء أمور من مسؤولياتهم في بناء وحماية مستقبل النشء، تركنا المجال مفتوحا لحاملي السموم من التسلل إلى دواخل أطهر وأغلى ما نملك فدنسوا وشوهوا كل شيء جميل وحولوا الحمائم إلى وحوش بشرية! كل شيء اغتصب وبوحشية؛ الأرواح، النفوس، الطهارة، المجتمع، الثقافة، كل شيء حتى الإنسانية! ضربونا في مأمن، من حبنا وتمسكنا بديننا وثقتنا أن كل من مشى على هذا الطريق ليس سوى ملاك سوف يرتقي على أجنحته البيضاء أبناؤنا ليتقربوا من الله حبا وطاعة وعبادة.. تركنا الساحة وانسحبنا فحولت هذه الساحات إلى أوكار تدنيس وتضليل وتجنيد!
واستيقظنا على مجتمعات يعادي أفرادها بعضهم البعض، لم نعد نحتمل الاختلاف ولا نقدر ونحترم لا قريب ولا غريب، كل يظن أنه الأفضل وكل من سواه جاهل يجب أن يحارب بكل السبل المتاحة وغير المتاحة، الظاهرة والباطنة، بالمواجهة أو التحايل، لا تهم الطريقة بما أن كلاًّ يؤمن بأنه الحق وغيره الباطل!
وكانت الفاجعة.. رأينا أبناء لنا يساقون إلى المذابح وهم سعداء، مؤمنون أنهم يساعدون إخوة لهم وهم ليسوا سوى أدوات في أيادي إخوة الشياطين! شباب في عمر الورد، أطباء، مهندسون، معلمون، تحولوا من بناة إلى مدمرين!
هل اكتفى إخوة الشياطين بذلك، هل شبعوا من شرب دماء أبنائنا؟ كلا بل ظل يزمجر الشر بدواخلهم وينادب بهل من مزيد، ومن هم الآن أسهل ضحية يستطيعون السيطرة عليها، أبناؤنا في المدارس! حين نرى أن بعض الصبية يرسمون على جدران المدارس شعارات "داعش"، يجب أن تدق جميع أجراس الخطر، لا نملك رفاهية قول إنها حالات فردية، لا يظهر من جبل الجليد سوى قمته!
يجب ألا نترك دورنا على وزارة التربية والتعليم.. على كل أب، كل أم، كل ولي أمر أن يزوروا مدرسة أبنائهم وبناتهم، مقابلة الجميع من المدير إلى الحارس والمستخدم، لقد ولى زمن الثقة والطيبة.. لنتحدث معهم ونحاورهم لنتعرف عليهم أكثر ولنكرر ذلك على قدرالإمكان، صدقوني لن تعرفوهم من زيارة واحدة أو محادثة على الهاتف، يجب طرح قضايا مختلفة عليهم ومحاورتهم فيها، شاركوا في أنشطة المدرسة اجعلوا وجودكم محسوسا ملموسا فاعلا مؤثرا، لنتحدث مع الأبناء يوميا ونفتح باب الحوار على مصراعيه معهم لكي نعرف كل صغيرة وكبيرة عما يحدث معهم خلال وجودهم في المدارس، يجب ألا نترك أي شيء للصدفة، نحن لسنا في حالة سلم، إننا في حالة حرب على الإرهاب، ويجب أن نكون جميعا على وعي تام بخطورة الموقف ومساندة الدولة في مواجهة هذا الفيروس لنمحوه من بيوتنا، من جامعاتنا وجوامعنا من مدارسنا، بل في أي تجمع أسري أو اجتماعي، لنمحوه من أرضنا ومن سمائنا وهوائنا، يجب أن نضيق عليه كل المنافذ، لنكن نحن المبيدات إن صح التعبير، لن يتم القضاء عليهم إلا إذا أدركنا خطورة الموقف وواجهنا الخطر بكل جدية، يجب على كل فرد أن يقوم بدوره بكامل وعيه ويقظته فلا مجال للعواطف أو الشفقة أو حتى القرابة أو المحسوبية، لا نريد بناء السدود والأسوار العالية حول أسرنا وأبنائنا، لن يحمينا ذلك أو يحميهم، نريد أن نفتح على الجميع ونمد الأيادي لنتعاون دولة ومجتمعا وأفرادا ولنبدأ من المنزل، من أنفسنا، لنجري غربلة على كل شيء في أدمغتنا، ونسأل ونكرر السؤال، لنراجع مخزون المعلومات والخبرات التي مررنا بها ولنفكر ولننتقد بكل حزم ونلزم أنفسنا بالتغيير اللازم، لن يكون الأمر سهلا، والأمر لم يعد يخص شخصا أو مجتمعا أو وطنا، إنه مستقبل أمة مهددة بالتشتت ونحن... الأسر... نحن النواة.
إنه ناقوس الخطر... هل أنا من يدقه؟ كلا... لقد دق ودق ودق إلى أن انفجر في وجوهنا وخسرنا الكثير من شبابنا وما زلنا نخسر، وتسببنا في كثير من الآلام لغيرنا بسبب تجيهلهم وشيطنتهم، وما زلنا نتسبب... يا إخوتي يا أهلي يا قومي... إن جبال أرضنا تدق نواقيسها فمتى نصغي؟! إن لم يكن الآن والتو والساعة، فلا أدري متى!