عَطْشَانُ والماءُ يَجْرِي مثْلَ قَافِيَةٍ
خَرِيْرُهُ شَاعِرٌ. كمْ غَازَلَ الجُمَلا
هذا بيت للشّاعر الراحل عبدالله الزمزمي ـ رحمه الله ـ وهو يأسرني منذ قرأته للمرة الأولى؛ لأنّه ذو جماليات تتجدد، وتتضاعف مع كل استعادة، أو قراءة، أو تأمل.
أقول ـ على الدوام ـ إن الإبداع اللغوي لا يكون بتغيير النّمط، أو الشّكل، أو التقنيات، أو الإكثار من أسباب "الانزياح اللغويّ"، إلى حدّ الإسفاف، بابتكار علاقات لفظية ممجوجة، وخارجة عن الذوق اللغوي، وإنما هو شيء خفي، يصعب تحديد أسبابه، وله أهله الذين لا يتصنعونه أبدا.
هذا البيت مثلا، ليس جديدا في تقنياته، بل إنه قائم على تشبيه تقليدي ذي أركان كاملة، واستعارة، وكناية، لكنّه جديد في طرفي التشبيه، وفي العلاقات بين الألفاظ، لا على أساس "الانزياح اللغوي"، وإنما على أساس الاستعارة العادية، فضلاً عن أنه يشكّل صورة "مشهدية" باقلّ عددٍ ممكنٍ من الألفاظ، وهو يمتاز بالوضوحِ النسبي، فيتوزع دهشةً على القارئين كلّهم، على الرغم من أنه يصنع احتمالات مختلفة، لكن لكلّ قارئ منهم "مزاجه" التفسيري، و"كل واحد حر في تفسيره اللي يريحه".
بكل يسر، شبه الزمزمي الماء في حال جريانه بالقافية، وليست في التشبيه – ذاته - مزية، بل إنه قد يكون معيباً، إذا لم يرِد في السياق اللغوي الذي صاغه الشاعر واختاره بعناية، ولك أن تتخيل صديقاً يقول لك وأنت تقف معه على ماء جار: "يا أخي أنا عطشان، وهذا الماء مثل قافية"!
لا شك أن كلامه سيكون سمجا، وستقول له: "يا زينك ساكت".
لكن تشبيه الزمزمي متفرد، على الرغم من أنه تشبيه صديقك ذاته، ويكمن تفرده، في كون أكثر من مفردة لا تعني معناها المعجمي، بل تعني معنى مجازياً، فالماء ـ في هذا السياق ـ قد يكون كناية عن شِعرٍ غزير القوافي، ذي خرير شاعر، وقد يكون امرأة ملهِمةً، كما أن لفظة: "الجُمَل" بمفردها المؤنث: "جملة"، قد تكون نساءً، أو امرأة، وكل هذا مسبوق بمفردة: "عطشان"، مما أعطى الصورة بُعداً آخر؛ لأنها لا تعني العطش الحقيقي، وإنما تعني العجز عن القول الشعري، أو العجز عن الغزل، ولاحظ أيضاً أن البيت كله قائم على القرْن بين أكثر من نظير: فـ"الماء" نظير "عطشان"، و"يجري"، و"خريره"، فيما "قافية" نظير "شاعر"، و"غازلَ"، و"الجُملا"، وذلك سر استحسان الصّورة في سياقِها، وجدتها في ذاتها.
باختصار: أثق أن إعادة قراءة البيت ستُخرج منه "مقترحات" جديدة، وما أجمل ألا يتحدد ما تقترحه الصورة الشعرية.. فأعيدوا.. وأعيدوا، لتكتشفوا أن الماء قد يجري كالقوافي، أمام من لا يعرف القوافي أصلاً.. لكنه يريد أن يُقال عنه: إنه يدري.. فيقول شعراً، أو يرسم لوحة، أو يكتب مقالا، وقد يمارس النقد التأويلي، وهو لم يقرأ شعرا، أو يتأمل لوحة، أو يقرأ حرفا، منذ شاهد لعبة "القفز فوق الحواجز".. ولله في خلقه شؤون.