إبان عصر مجلة "المجلة" الميمون، كتب لها الساخر اليمني عبدالكريم الرازحي مقالا عن بلاده توقفت عنده كثيرا، لا سيما أن المقال وإن كان هدفه السخرية، قد تضمن دعوات أن تحتل أميركا اليمن ومن ثم تستعمرها، لعل في ذلك - حسب أماني الرازحي - أن تظفر بلاده بالرقي المادي والمجتمعي. بعد أن عثى الفقر وسطوة القبائل والنزاعات الطائفية بالبلد الذي كان يسمى باليمن السعيد.
كنت ومن فرط العتب على الكاتب أن قلت لمن هم حولي، إن تلك مبالغة غير مقبولة، وطلب للإضحاك على حساب الوطن، ولكن الآن وبعد أكثر من عقد على هذا المقال وفي ظل أن صنعاء باتت محاصرة من الحوثيين، أقدم اعتذاري لليمني الرائع عبدالكريم الرازحي، فما بلغته اليمن من سوء في كل المناحي والمجالات، غير الانفجار الاقتتالي الداخلي بين القبائل والميليشيات ومع الخراب الكبير بوجود مندوبي وممثلي كل الجماعات الإرهابية في العالم؛ أقول إني - كما هو - أدعو الله أن يرزق اليمن مستعمرا جديدا، على أقله أن ينتزع السلاح من الأيدي، حتى لو طبق الأحكام العرفية وكل ما هو شديد تجاه من يخرجون على الأمن.
نعم فالوضع الآن في اليمن لم تبلغه حتى دول أميركا الوسطى التي عرفت في الثمانينات حروبا أهلية ضارية. في اليمن قبائل متناحرة، وجماعات طائفية تتقاتل تنفيذا لأجندات خارجية، وجيش يفقد بين حين وآخر عددا من أبنائه غدرا وجناية، وشعب مظلوم من جراء الفساد والتخلف. فلجأ إلى المنسيات، لعل وعسى أن يصحو على خبر سعيد؟!
اليمن أصبح مضرب مثل في التناحر والاقتتال، بل إنه لا يشبه بلدا في السابق وفي زمننا الجاري، ففي كل ركن ومدينة متناحران كل منهما يشهر سلاحه في وجه الآخر، ويا لهذا اليمن الذي بلغه الإعياء حتى دعونا الله أن يقيض له مستعمرا، وإن كانت الفكرة من قبل الزميل الرازحي ساخرة متهكمة على وضع اليمن إلا أنها الآن صادقة واثقة ترجو الله أن يفك أسرها من الباغين.. ولو على يد المحتلين!.
القلب ينفطر على اليمن، ليس لأن الأمر معني بالخطر الذي قد يأتي من الجوار، بل لأن أهل اليمن أهلنا ومصابهم مصابنا.. "لكن ما باليد حيلة".. وليس لنا إلا الدعاء، حتى بما يشبه ما لدى الرازحي الذي يعيش الحال ويكتوي بنارها الأشد والأكثر لهيبا وحرقا الآن مما كانت عليه حين كتابة ذلك المقال الذي ظاهره السخرية وباطنه الألم والحسرة اللذان يحرقان كاتبنا العزيز.
لن أختم قبل أن أشير إلى قوة ألم السخرية التي كانت عند الرائع الرازحي حينما طالب لأجل تحقيق هدفه أن تبدأ اليمن الحرب على أميركا لترد الأخيرة عليها، إلا أنّ كاتبنا استدرك بقوة الألم الساخر من الوضع المحبط لبلاده بقوله: ماذا لو انتصرنا على أميركا في الحرب فمن سيستعمرنا؟ رحماك يا ربنا باليمن وأهله.