في العرف "إذا استقام العود.. استقام الظل" وذلك يختصر فكرة أن يكون أي معتقد أو فكر أو ميول واتجاهات مرجعية بمثابة جذر يؤسس لحزمة قيم ومبادئ تؤطّر السلوك والتصرفات، فالإنسان البدائي قبل أن تتفاعل لديه أي صور أو ميكانيزمات عقلية كان على سجيّته يفكر فقط في البقاء حيا، ولكن العقل يمكن أن ينفتح على أكثر من الأدوار الطبيعية الساذجة، ولذلك يظل يكتسب ويتطور ويؤسس لوعي يستوعب المجريات من حوله.

في الجاهلية كانت الحياة بسيطة ولكنها ارتكزت على قيم وأعراف اجتماعية بعضها ظل باقيا حتى بعد دخول الناس في الإسلام، وذلك في مسائل تتعلق بحقوق الجار والكرم والمروءة وإغاثة الملهوف والإجارة وغيره، وهكذا أسّس العقل لمرتكزات تشكّل الوعي وتهذّب السلوك والتصرفات، على الأقل في حد أدنى رفعه الدين بعد ذلك إلى حد أعلى، وعليه أصبح الناس يتراوحون بشكل نسبي يتفاوت بين حدّين.

الذي يعيدنا إلى الحد الأدنى بعد ارتكاز العقل على القيم والمبادئ التي يفترض أن تبقي الفرد في الحد الأعلى، هي تلك الشبهات والمتاهات التي توجد الردّة الفكرية، فالناس في كل حراكها تبحث عن الاستقرار والثبات والاطمئنان، حين تضل الطريق إلى ذلك تنحرف في اتجاهات متضادة مع الثوابت الأساسية ليصبح المتحوّل أو المتغير هو الثابت الموازي لتلك الثوابت، وذلك هو حال الجماعات الدينية التي تطرفت واستوعبت أو جنّدت التائهين والضالين، الذين انتكسوا نفسيا وعقليا وتبعوا جماعات توهموا أنها تمنحهم حقوقهم أو حظوظهم من الاستقرار النفسي والعقلي.

حين نتتبع جميع الجماعات المتطرفة نجدها تأكل من الشياه القاصية، هي أشبه بالذئب الفكري الذي يخلق بيئة منحرفة عن ثوابت الدين تبتكر بدورها ثوابت أخرى تدور في زاوية مغلقة من التفريط والإفراط، وحين نستقرئ الأبعاد الفسيولوجية والسيكولوجية للمتطرف لا بد وأن ننتهي إلى فراغ مرحلي في الفكرة الدينية تنفذ من خلاله أفكار التطرف، وتشبعه يقينا جازما بصلاحية منهجها وإمكانية الالتفاف على الردّة والانتكاسة التي حدثت للشخص وإكسابها مبررات دينية غير صحيحة، بالطبع، تجعله مقتنعا بصحّة ما يفعله من قتل وتدمير.

تجربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي تعرف بـ"داعش" انعكاس لحالة التمزق الديني في نفسية بعض الأفراد التائهين عقليا.. هم يبحثون عن إجابات مطمئنة حين لا يجدونها أو يستعصي عليهم الحصول عليها يكونون أكثر تهيئة للاستجابة لمثل هذه العصابات العقدية، وبعدها يحدث الانفجار وتبرز صورة بانورامية متوهمة تجعل القتل جهادا وليس جريمة، وجز الرؤوس تسلية ورسالة وليس تمثيلا أو لا إنسانية، وقطع الأيادي تطبيقا لحدود وليس انتهاكا للإنسانية.

مثل هؤلاء يصبحون وحوشا بعباءة مجاهدين تغطي عوراتهم الإنسانية والدينية، وإذا ارتقى أحدهم أصبح متوترا أكثر مع غير عصبته، ولا يرى فيهم إنسانية تستحق الرحمة التي تعود بهم إلى تلك الجذور العقلية والثوابت الدينية والأخلاقية، لأنهم حينها يفقدون روابطهم بها ويستبدلونها بأخرى من صنعهم تقفز على دلالات النصوص وتشوهها بفقه الواقع الذي يمكن أن يتصدّى له أي واحد فيهم يفتي ويبدي الرأي.

تلك الحالة انتهى بها الشيخ سعد بن ناصر الشثري عضو هيئة كِبار العلماء سابقا، إلى وصف أصحاب تنظيم الدولة الإسلامية بـ"الملاحدة والزنادقة"، مؤكدا أن هذا التنظيم لا يمت للإسلام بصلة، وليس للتنظيم أي تنظير شرعي تأسيسي يبين منهجه العقدي وما صدر عنه، وذلك وإن أتى متأخرا بعد أن استقوى التنظيم وأضاف لنفسه كثيرا من تلك الشياه القاصية، إلا أنه يضيف رأيا عقديا مهما يحول دون يقظة النائمين أو تحرك المضللين، ويفتح قليلا من نوافذ العقل لتدبر سلوكيات التنظيم وأتباعه.

ربما لا أتفق مع الشيخ الشثري في فكرة الإلحاد، ولكنهم كغيرهم ممن سبقوهم ومن يحتمل أن يلحق بهم متوهمون ويعيشون ضبابية خانقة، يجدون في استباحة التنظيم لكل نظام إنساني أو ديني أو أخلاقي مخرجا لهم من حالة التيه التي يعيشونها، وإذا أخرجهم الرأي الديني من ملّتهم، فما التالي؟ الخطوة التالية بعد توصيف الحالة والاستقرار على فسادها هي معالجات فكرية على قياس العطّار الذي ينبغي عليه أن يصلح ما أفسده الدهر، وهذا الدهر إنما هم أقوام منحوا هؤلاء قديما كل الجرعات الخاطئة التي أنبتتهم بيننا.