أكتب هذا الأسبوع من أستراليا، التي صُدمت بعنف حين اكتشفت أن عددا لا يُستهان به من الشباب الأستراليين يقاتلون مع "داعش"، حيث تسعى السلطات الأسترالية إلى إيجاد حلول للتعامل معهم، خاصة في ضوء ما تكشف عن الأعمال البربرية التي ترتكبها هذه المجموعة.
وقال رئيس الوزراء الأسترالي في شهر أغسطس: "إن التهديد الذي يشكله المتطرفون على أستراليا خطر حقيقي يتفاقم باستمرار، فهناك مواطنون أستراليون، ومواطنون ذوو جنسيات مزدوجة، يقاتلون في العراق وسورية ونزاعات أخرى، يرتكبون فظائع تفوق الوصف، ويطورون مهاراتهم الإرهابية. وسيعود الكثير منهم إلى أستراليا".
وللتعامل مع هذا الوضع، اقترحت الحكومة تشريعات جديدة لمكافحة الإرهاب تمنح صلاحيات أوسع للأجهزة الأمنية، وتضع تعريفا أوسع لجريمة الإرهاب، بحيث تشمل التدريب مع المنظمات الإرهابية، والترويج والتشجيع على الأعمال الإرهابية، مما سيسهل على الجهات المختصة اعتقال المشتبه بهم، وتقديم الأدلة المطلوبة لإدانتهم. ويشمل مشروع القرار إمكانية حظر السفر إلى مناطق معينة، ومعايير لجمع المعلومات الشخصية والاحتفاظ بها، واعتراض الاتصالات والتنصت عليها.
ومع أن هناك اعتراضات على مشروع القانون من قبل جماعات الحقوق السياسية والمدنية، إلا أنه من المتوقع أن يقره البرلمان الأسترالي خلال دورته القادمة في هذا الخريف.
ولإعطاء القانون الجديدة الموارد اللازمة لتنفيذه، اقترحت الحكومة تخصيص نحو 600 مليون دولار لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الإرهاب.
ومع أنه من الناحية الفنية لم تغير أستراليا منذ عام 2001 تقييمها لتهديد الإرهاب على أراضيها، إلا أن الحكومة تأخذ منحى احترازيا، حين قال رئيس الوزراء مؤخرا إن "خطر الإرهاب في هذه البلاد قد ازداد حدة، وإن عدد من يتعين مراقبتهم قد ازداد بشكل ملحوظ"،
وكان التقييم الاستخباري الذي نُشرت نتائجه في شهر يونيو 2014 قد قدر عدد الأستراليين الذين يقاتلون مع "المجموعات المتطرفة الأجنبية" بنحو 150 شخصا.
وفي الأسبوع الماضي أصدرت شرطة مدينة "سيدني" مذكرة باعتقال اثنين من سكانها يُعتقد أنهما يقاتلان مع "داعش"، وظهر أحدهما وهو يتصور مع الرؤوس المجتزّة لبعض من قتلهم.
وبهدف بناء موقف موحد لمكافحة الإرهاب والتطرف، قرّر رئيس الوزراء عقد اجتماعات مكثفة مع قادة ونشطاء المجتمع الإسلامي في أستراليا للحصول عى دعمهم للقانون المقترح.
وقبل انعقاد تلك الاجتماعات كان هناك بعض التباين في وجهات نظر قادة المسلمين هنا حول المشاركة فيها، على الرغم من ترحيبهم من حيث المبدأ بسعي رئيس الوزراء لتوحيد الصف الأسترالي في مكافحة الإرهاب، وتقديرهم لأن قيادته غير الإقصائية عنصر مهم في مكافحة الإرهاب، وذلك بتخفيض درجة الشعور بالإهمال والتهميش بين فئة محدودة من المجتمع الإسلامي هنا، التي قد تُسهم في دفع بعض الشباب نحو التطرف أو الإرهاب.
وفي حين أن قادة المجموعات الإسلامية الأسترالية حازمون في رفض الإرهاب بأي شكل أو صفة، كانوا يرفضون الربط بين المسلمين الأستراليين وأي نشاط إرهابي خارجي، بما في ذلك ما يقوم به بعض المسلمين الأستراليين المغرّر بهم. ومما يصيبهم بالإحباط هو إشعارهم بأنهم يجب أن يدافعوا عن أنفسهم حيال أعمال لا علاقة لهم بها، بل يتبرؤوا منها ويدينوها باستمرار.
ومما زاد من شكوك المجتمع الإسلامي طبيعة الخطاب الذي يوجه أصابع الاتهام، بطريقة غير مباشرة، نحو المسلمين. ويشيرون مثلا إلى تصريحات لرئيس الوزراء نفسه، حين قال قبل الاجتماع الأول معهم: "أنت لا تهاجر إلى هذه البلاد إلا إذا كُنتَ مستعداً لتكون جزءا منها، وهذا ما سأؤكده في هذه الاجتماعات. فالعَلَم الوحيد الذي يرفرف يجب أن يكون عَلَم أستراليا".
وأكثر ما يثير المجتمع الإسلامي هنا، هو المعيار المزدوج الذي تتبناه الحكومة التي لم تنتقد تدمير إسرائيل لقطاع غزة في الحرب الأخيرة، كما لم تُثرْها حقيقة أن هناك مواطنين أستراليين، أو مزدوجي الجنسية، يقاتلون في صفوف الجيش الإسرائيلي الذي يهاجم الفلسطينيين ليلَ نهار.
ويتذكر المسلمون بألم تصريحات "توني أبوت" حين كان في المعارضة، حين قال في عام 2012: "الأستراليون إسرائيليون، كلنا إسرائيليون،" حسب تقارير صحفية ظهرت في حينه.
ولكن قادة المجتمع الإسلامي الذين اجتمعوا برئيس الوزراء الأسبوع الماضي خرجوا بانطباعات إيجابية عنها، وأثنوا على إصغائه لوجهات نظرهم الصريحة التي أبدوها له.
وفي الوقت نفسه، فإن الخطاب الرسمي تغير كذلك بعد الاجتماعات، إذ قال رئيس الوزراء مثلا: "لا أقبل أي طرح بأن بعض الفئات من مواطنينا يعمل ضد بلادنا. فقد أوضحت في كل مناقشاتي مع مجموعات المهاجرين أنهم في الحقيقة اختاروا هذه البلاد وطنا لهم، مما يعني ثقتهم بأنهم سيكونون مواطنين من الدرجة الأولى في وطنهم الجديد. وهم بذلك يمتازون فوق من وُلد في هذه البلاد بأنهم اختاروها بأنفسهم وطنا لهم".
وأضاف: "لن تجدوا في حكومتي من يشكك في ولاء أي مجموعة من المهاجرين".
وتبدو الجهات الأمنية كذلك مصممة على طمأنة المسلمين في أستراليا. فعلى سبيل المثال قال "ديفيد إرفاين"، رئيس جهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالي، إنه يشعر بـ"منتهى الغضب" بسبب المانشيت المتهور الذي نشرته صحيفة "الأسترالي" في بداية شهر أغسطس في صدر صفحتها الأولى الذي قال: "سنحارب الإسلام لمدة 100 عام". وقد أشرتُ إليه في مقالي الأسبوع الماضي، وكيف أثار غضب المجتمع الإسلامي، وشاركهم في الاحتجاج عليه قادة الطوائف المسيحية واليهودية في مسيرات كبيرة في عدد من مدن أستراليا.
وفي حين أن الخطاب الرسمي أصبح معتدلا في مجمله، يفرّق بوضوح بين الأعمال الإرهابية التي يقوم بها عدد محدود من المجرمين، وبين بقية أعضاء المجتمع الإسلامي الذين يدينون الإرهاب، إلا أنه ما زال هناك المزيد من العمل الذي يجب القيام به لتحسين الخطاب الإعلامي في أستراليا الذي مازال يتعامل مع الإسلام والمسلمين بطريقة سلبية، ولا يفرق كثيرا بين الإرهابيين والأغلبية العُظمى من المسلمين الذين يقفون ضد الإرهاب.