عد الكاتب القاص محمد الراشدي جائزة أبها بأنها الأكثر نجاة من اللغط الذي يصحب كثيرا من الجوائز عادة، فضلا عن انحيازها للجمال والإبداع، واحتفائها بكثير من الأقلام والمواهب اللامعة خلال سنوات عمرها. معترفا بأن بعض المبدعين "دوزنوا" أقلامهم على هوى بعض الجوائز، وإن كان الأصل في المبدع الرهان على حبره فقط، إلا أن التطلع إلى حيازة جائزة ما يظل طموحا مشروعا للمبدع، إذا أحسن الاحتفاظ بالمساحة المفترضة بينه وبين كل محرض سوى الفن.
وبرر الراشدي الفائز أخيرا بجائزة أبها - فرع الثقافة - عن مجموعته القصصية "احتضاري"،
بقوله لـ"الوطن": من المعلوم يقينا أنه في ظل التزاحم الشديد الذي يتنازع حظوظه من مفضلة الذائقة في حقول الفن والإبداع، لم يعد الإبداع بطاقاته الجمالية ومخزونه الفلسفي أو الفكري فحسب قادرا على أن يبلغ الرقعة المتوخاة من التلقي لدى جمهوره، أو المساحة المفترضة له من قرائه ومتذوقيه، وصار لزاما للعمل الإبداعي من رافعة تنجو به من ظلال الذاكرة إلى مساحات من الضوء أرحب وأوفر وهجا، ولأجل ذلك اكتسبت جوائز الفن والإبداع على مدار السنين أهمية كبيرة، وتزايدت تلك الأهمية في السنوات الأخيرة، بعد أن صارت بوصلة الذائقة لدى كثير من المتلقين، ودوزن بعض المبدعين أقلامهم على هوى بعض الجوائز، وإن كان الأصل في المبدع الرهان على حبره فقط، إلا أن التطلع إلى حيازة جائزة ما يظل طموحا مشروعا للمبدع، إذا أحسن الاحتفاظ بالمساحة المفترضة بينه وبين كل محرض سوى الفن ذاته، أما جائزة أبها فيحمد لها خلال مسيرتها طوال العقود الماضية، أنها الأكثر نجاة من اللغط الذي يصحب كثيرا من الجوائز عادة، فضلا عن انحيازها للجمال والإبداع، واحتفائها بكثير من الأقلام والمواهب اللامعة خلال سنوات خلت.
وحين علمت بفتح باب القبول للمشاركة فيها لهذا العام عن طريق الصحافة، عزمت على المشاركة فورا، وهممت في البدء أن أشارك بمجموعة قصصية لا تزال مخطوطة بعد، لكن الصدى الإيجابي لمجموعة احتضاري منذ صدورها، وتفاؤلي الكبير بقدرتها على المنافسة حسما الأمر عندي بتقديمها للمشاركة، وتحقق الفوز الذي أعتد به كثيرا.
وعن هيمنة الموت بدءا من العنوان على أجواء المجموعة؟ قال الراشدي: سؤال الموت هو أكثر الأسئلة التي رافقت المجموعة منذ صدورها، ربما لأنه القيمة التي شقت أفق الكتابة، واختزلت دلالاتها، وهيمنت على ثيمات السرد بقوة، وعلى الرغم من أن النصوص كتبت في فترات متباعدة نسبيا، لكن هاجس الموت انتظم أكثرها، وشكل أبرز ملامحها، ولم يكن ذلك مقصودا في ذاته، لكن لعل الباعث النفسي والرؤية المحركة للكتابة كانا يعثران في الموت على ملمح مختلف في كل مرة، وبالمناسبة فلحظة الموت لحظة بالغة الثراء بالنسبة للمبدع وذلك لأنها أغزر اللحظات إحساسا، وأكثرها كثافة في الشعور، وأصدقها يقينا في كل شيء، لكن مشكلة تلك اللحظة أنها تسيج نفسها بسياج منيع من الرهبة لدى كل أحد، والمبدع الذي يحسن مجاوزة ذلك السياق ويقارب تلك اللحظة ببراعة سينجز عملا لافتا دون شك.
وكان الناقد الدكتور صالح زياد، قد أشار إلى توظيف الراشدي مضامين القهر والاستلاب بطريقة عجائبية، حققت مستوى فنيا لافتا، وهنا يتوقف الراشدي: أجدها فرصة أن أتقدم بوافر شكري وامتناني للدكتور صالح زياد، الذي كانت دراسته القيمة عن المجموعة أول وأهم ما كتب عنها، ولم يكن بيننا سابق معرفة حين أهديته إياها، سوى ما قرأت له، قبل أن يسعدني بما كتبه عن المجموعة من قراءة واعية كان لها دور فاعل في التعريف بالمجموعة والإفصاح عن مضامينها.
عن الموت أعتقد أن أهم ما تقدمه هذه الثيمة للمبدع أنها تعيد إنتاج الحياة كلها على عين اليقين الذي لا يتطرق إليه الزيف عنده، وحينها تكون مناجزة المبدع ذاته لإنجاز نصه أشبه بالسير في حقل ألغام تكون كل خطوة فيه مشروع حياة وموت معا، أو التوغل في فضاء لا يحسن غيره ارتياده!
لغة التراث
ينشط الراشدي في موقع (فيس بوك)، متميزا باستعادته الخطاب التراثي في تدوين يومياته، ويرى: أن استلهام الخطاب التراثي في تدوين اليوميات، أو ما اصطلح الأصدقاء على تسميته (المقامات)، تجربة انطلقت عبر الفيس بوك، ولقيت رواجا كبيرا، وقبولا واسعا لدى الأصدقاء هناك، وحظيت بمتابعة مبهجة من شرائح متنوعة من القراء، في مقدمتهم قامات إبداع ونقد كبيرة، كان حضورها وبقية الأصدقاء والمتابعين حافزا للمضي في تلك التجربة، وتنامي المكتوب عبرها، حتى تشكلت منه مادة كتاب يصدر قريبا بإذن الله، وكان المحرض على هذه التجربة في الأساس اختزال المسافة التي يتوهمها البعض بين لغة التراث والواقع اليومي الذي تعيد الكتابة تشكيل تفاصيله بذات اللغة التي أنجز بها البديع مقاماته والجاحظ بيانه، دون أن تتلكأ ذائقة القارئ في قبول ذلك المكتوب أو أن يبطئ فهمه في إدراك معانيه، وربما يكون من المدهش إن قلت إنني - وبحسب هذه التجربة - أجد أن لغة التراث هي الأقدر على التواصل مع ذائقة المتلقي والأكثر حميمية لديه، ربما لأن المكون التراثي في الذاكرة الجمعية هو الأكثر حضورا والأوفر نصيبا.