دائما ما نردد أن الأصدقاء يختلفون عن الزملاء، فالأصدقاء هم هؤلاء الذين يمكن لنا أن نكون أمامهم كما نحن عليه في حقيقتنا، بينما الزملاء هم هؤلاء الذين نكون معهم كما يحبون أن نكون عليه، فتهنا في هذا الزمان بين من نعتقد أنهم أصدقاء وبين من نتعامل معهم كزملاء، فأصبحنا نعيش الوحدة رغم الكم الهائل من البشر الذين يحيطون بنا.

لو نظرنا لمحيطنا القريب سنجد أن معارفنا الذين نسافر معهم أو الذين نقضي معهم جل أوقات فراغنا ممن نسميهم أصدقاء، هم في الحقيقة مجموعة من البشر الذين نتعامل معهم من منطلق المصالح الحياتية اليومية، فأحدهم يعمل في دائرة حكومية يقوم بتقديم الخدمات لنا بين الحين والآخر، والآخر يفهم عليك في لعبة البلوت ويتفنن معك في هزيمة الخصوم، والثالث يتكئ في زاوية الاستراحة يتجاذب معك أطراف الحديث حول ذلك الشأن أو ذلك الحدث، فتستمتع ببعض الوقت لتعود إلى منزلك دون أن تكون قد تجليت أمامه بهمومك الشخصية ومشاكلك النفسية والتي تحتاج لصديق صدوق يقاسمك همها، فيقدم لك المشورة والنصح والإرشاد القويم.

في العمل يختلف الأمر، فتبادل المصالح أوضح، فسياسة تقديم الخدمات المتبادلة هي البورصة التي ترتفع فيها قيمة الزميل أو ينخفض، فيصبح المتعاون معك زميلك الصديق ويصبح الآخر زميلك المنافس، وتصبح أجواء التعاون وبناء العلاقات محكومة بنفعية لا يمكن أبدا أن تسمى صداقة، مهما حاولت أن تجملها وتجد لها تبريرات ومخارج.

كم منا مستعد ليضحي بوقته وجهده النفسي والعقلي لأجل إنسان آخر؟ وكم منا على استعداد أن يعتصر داخليا لأجل صديقه فيقوم بكل ما في وسعه ليساعده ويخرجه من تأزمه؟

كم من صديق فقد لأنه غرد في إحدى شبكات التواصل بتغريدة ضايقتك وكم من شخص اعتقدت أنه صديق لك لأنه وافقك الرأي فاكتشفت أنه انتهازي ووصولي ومجرد كاذب في ثوب مؤيد؟! وكم من زميل طفولة استغل العشرة ليتكسب من ورائك ويصل لأهدافه التي غلفها بصداقة كاذبة انتهازية؟

كم نحن بحاجة في هذا الزمان المفعم نفعية وتنافسا وسرعة لأشخاص يمكن لنا أن نعتمد عليهم كأصدقاء حقيقيين، فنصارحهم بما يخالجنا من إشكالات شخصية ونرمم حياتنا وفق مقترحاتهم ونصحهم الصادق، ونتعامل معهم باعتبارهم مرآة صادقة لنا ومشعلا يضيء لنا مسارات حياتنا ويكون بحق صديقا يمكن الاعتماد عليه كأخ وربما أكثر؟