سبق في الأسبوع الماضي الكلام عن "الفرق المبدئي" بين السلفية والإصلاحية، ومن ذلك رسالية ودينية الدعوة الإصلاحية، وكانت شهادة العلماء من غير أهل الجزيرة مثالا على ذلك، ومنهم طه حسين، وبمثل كلامه قال حافظ وهبة وغيره، ولو أردنا أن نستطرد في الأمر لطال بنا المقام، ولكن عينة واحدة تغني في القياس على غيرها، فجمهور عريض من علماء الجزائر تضافرت أقوالهم في الثناء على الجانب التجديدي للدعوة الوهابية، فهذا العلامة عبدالحميد بن باديس رحمه الله المتوفى سنة 1359 يقول: "قام الشّيخ محمّد بن عبدالوهاب بدعوة دينية، فتَبِعَه عليها قوم فلقبوا بـ"الوهابيين"، لم يدْعُ إلى مذهب مُستقل في الفقه؛ فإنّ أتباع النجديين كانوا قَبلَهُ وما زالوا إلى الآن بعده حنابلة؛ يدرسون الفقه في كتب الحنابلة، ولم يَدْعُ إلى مذهب مُستقل في العقائد؛ فإنّ أتباعه كانوا قبله وما زالوا إلى الآن سُنيين سلَفيين؛ أهل إثبات وتنزِيه، يُؤمنون بالقَدر ويُثبتون الكَسْب والاختيار، ويُصدقون بالرّؤية، ويثبِتون الشّفاعة، ويَرضون عن جميع السّلَف، ولا يُكفّرون بالكبيرة، ويُثبِتون الكرامة. وإنّما كانت غاية دعوةُ ابن عبدالوهاب تطهير الدين مِن كل ما أَحدثَ فيه المُحدِثون من البدع، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي مِن دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزَيْغِهم المبين"، وقال: "إن الغاية التي رمَى إليها ابن عبدالوهاب، وسَعى إليها أتباعُه، هي الّتي ما زال يَسعى إليها الأئمةُ المُجددون، والعلماء المصلحون في جميع الأزمان". [آثار ابن باديس(5 /32-33)].
بينما نجد في مقابل ذلك جل علماء العالم الإسلامي ضد "القاعدة" وسلوكها وفكرها والتي قد بلغت ذروة غلوها في "داعش" التي هي أحد منتوجاتها الفكرية والعملية، ومن أمعن النظر في قادتها يجد أنهم أبعد ما يكونون عن الدعوة الرسالية التي تستهدف أديان الناس وإصلاحها، بل هم يحرصون على تكفيرهم لا هدايتهم، وليس مفهوم الشرك والتوحيد بحاضر في أجندتهم الفكرية والسياسية، وإنما يجتمعون على مفهوم "الدولة" الذي هو مفهوم "سياسي" قفزوا منه إلى ما هو أوسع وهو مفهوم "الخلافة" التي يلزمون الناس ببيعتهم طوعاً أو كرها، ويبيحون قتله وقتاله حتى لو كان من أنقى الناس عقيدة ، فشتان بين المنهجين وشتان بين المسلكين.
وإذا كانت أي جماعة "سياسية" سواء كانت دينية أو قومية علمانية فإنها تبحث دائماً عن المبرر الأخلاقي والعلمي الذي يؤصل لها عاملها الوجودي ويقنع الأتباع بصحة مسلكها، وسوف تجد في التراث: نصوصه وأحداثه وتقريرات علمائه ما "تسقط" عليه أفعالها من خلال منهجيات مقلوبة تؤصل الفعل الحاضر ثم تبحث عما يشابهه في التاريخ لتنطلق منه للتبرير، دون اعتبار أن كل قول أو حدث تاريخي أو تأصيل من عالم في قضايا السياسة والسلم والحرب له بعدان، الأول: البعد "العلمي" التأصيلي النظري الذي يهتم بدراسة المسائل المجردة عن سياقاتها. والثاني: البعد "التطبيقي" وهو تنزيل الأحكام على الأحوال من خلال سياقها وظرفها التاريخي ومقتضياته الاجتهادية الخاصة، وهو ما يسمى عند الفقهاء بـ"بساط الحال" الذي تفهم فتاوى العلماء وتقريراتهم من خلاله وبه.
والإسقاط المنهجي علامة بارزة في التيارات السياسية التي تحاول تأصيل حركتها، وهو ليس بجديد عليها، فقد رأينا من أعطى الماركسية بعدا دينيا، ومن ألف في "اشتراكية الإسلام" معتمداً على نصوص وأحداث ورجال، وفي هذه الأيام نشهد علمنة الإسلام ودمقرطته.
ولعلي أضرب هنا مثالين اثنين لهذا الإسقاط غير المنهجي على أفعال "القاعدة" و"داعش":
الأول: قضية "التترس" التي تكلم فيها الفقهاء عن حادث له صفات محددة، وهو أن تكون المعركة قائمة بين المسلمين وأعدائهم، ثم يتترس الأعداء ببعض المسلمين سواء كانوا من الأسارى أو من المقيمين بين ظهرانيهم، فيتخذون هؤلاء التروس وسيلة للتقدم وإيقاف قصف المسلمين، فقرر الفقهاء والحالة هذه جواز قصف الأعداء إذا كان في عدم قصفهم ضررا محققاًعلى المسلمين ويخالف هلكتهم وفناء مهجهم، فيقصف الأعداء والتحرز من المسلمين، فإن مات مسلم لزمت الدية، وهناك من الفقهاء من منع هذه الصورة إذا ظن قتل المسلم، كل ذلك حرص على الدماء وتعظيم لها.
هذه الصورة الفقهية التاريخية مرتبطة بطبيعة الحرب وصورتها، وقد يجتهد في جوازها بعض الفقهاء لظرف معين كما أفتى ابن تيمية رحمه الله بجوازها حين قاتل المسلمون التتار، وخيف على المسلمين من الهلكة.
أما التطبيقات: فأرادت القاعدة أن "تفجر" في بلاد الحرمين، وبين المسلمين لقتل الأجانب المقيمين فيها والداخلين في أمانها وذمتها، وقتل هؤلاء عن طريق الفتك والتفجير سيذهب قطعاً بالمسلمين، فبررت وشرعت فعلها بقضية "التترس" الفقهية، وأنزلتها على صورة مغايرة تأصيلاً وتطبيقا، وكل عاقل ذي بصر يدرك الفوارق بين الصورتين، فلا الحالة حالة حرب، ولا الصفان متمايزان، ولا الكفار متترسون بمسلمين، وليسوا هم بمقاتلين، ولا يخاف على المسلمين من الهلكة، وهم مستأمنون يحرم قتلهم وقتالهم، بل هو كبيرة وموبقة، ومع ذلك يفعلونها ويقنعون أتباعهم بأنها جائزة فقهياً لأن أجندتهم الحربية والسياسية تتطلب مثل هذا.
هذه صورة من مئات الصور من الانحراف المنهجي الذي تعتمده هذه الجماعات في حركتها، ثم تأتي لتتخذ من انحرافها مبرراً للهجوم على الفقه والفقهاء وأنهم سبب في هذا الانحراف تماماً كما يحدث الآن في الربط بين السلفية والداعشية.
ثم قضية "قتال الطائفة الممتنعة عن شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة"، وهذه قضية منزعها فعل الصحابة الكرام حين "أجمعوا" على قتال مانعي الزكاة وكانوا أنواعا، فمنهم من منع أداءها مع عدم الحجود، ومنهم من حجد شرعيتها، ومنهم من اتبع المتنبئين، ومنهم من ارتد عن الإسلام، فقاتلهم الصحابة في زمن الصديق رضي الله عنه، وأعادوا الإسلام نقياً كما كان على عهد النبوة، وكان فعلاً تجديدياً من أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
هذا الفقه له شروطه، فالذي يقاتل هو الإمام وجماعة المسلمين، والمقاتلون هم طائفة متحيزة ومجتمعة على رفض (شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة)، وقبل القتال يجب على الإمام مراسلتهم وبيان وجوب الامتثال لهذه الشعيرة كمن يمتنع عن أداء الصلاة مثلاً بفعل طائفة لا فرد، ثم إذا أصروا قاتلهم لإلزامهم بالامتثال.
أما التطبيق: فتتخذ هذه الجماعات من هذا الحدث التاريخي متكأ لها في قتال خصومهم، فهم جماعات قليلة ومتخفية ولا يسمون حتى "طائفة" وليسوا متحيزين، أجازوا قتال الأمة بحجة أنهم طائفة ممتنعة، وأباحوا هذا القتال دون أن تكون ثمة شعيرة متفق على الامتناع عنها، فوسعوا المفهوم حتى جعلوا اختياراتهم في مسائل السياسة والحكم من شعائر الإسلام الظاهرة، وهذا مثال آخر على "الانحراف المنهجي" لدى هذه الجماعات، ثم يأتي من يجعل التراث سبباً في انحرافهم كما صرح أحد الكتاب السعوديين بصلافة بأن أبا بكر الصديق أول تكفيري في الإسلام، فالقضية لم تتوقف عند ابن تيمية أو ابن عبدالوهاب رحمهما الله، بل تعدى الأمر إلى جعل الصحابة ومنهجهم سببا في "الإرهاب".