مازالت حادثة انتحار الفتاة الجامعية اليتيمة في قرية الركوبة متشبثة بأطراف ذاكرتنا، تجاهد للنجاة من السقوط في هاوية النسيان. رغم أن هذه الحادثة كانت الصفحة الأخيرة في حياة تلك الفتاة، إلا أنني أخشى أن ننساها، أن تكون نهايتها مجرد موت عابر ينتهي بخبر على صفحات الجرائد، والقليل من التعاطف والحزن ومن ثم إلى قارعة الإهمال والتجاهل واللامبالاة.

مازلت أذكر رسالتها الأخيرة التي كتبتها لصديقاتها في العيد الأخير تقول فيها: "أنت واثق أن الكل مبسوط في العيد؟ كم واحد يتيم يتمنى أبوه ياخذه معه لمصلى العيد؟ كم بنت يتيمة تتمنى تبوس راس أبوها في صباح العيد؟ وكم بيت محروم من حس أمه في صباح العيد؟!"، حتى أنهت رسالتها بسؤال كبير لم يجب عنه أحدنا حتى الآن، سؤال أكبر من كل القوانين المعمول بها حتى الآن، أكبر من الجمعية السعودية للطب النفسي، أكبر من أنظمة وزارة الشؤون الاجتماعية، ومن مجتمعنا غير الواعي بأن الحنين مرض نفسي، وأن الفقد أحيانا قد يكون مرضا نفسيا أخطر بكثير من أشد الأمراض العضوية فتكا بجسد الإنسان.

تقول فتاة الركوبة في نهاية رسالتها: "طيب أنت حاس بوجعهم..؟ لا ما أظن إنك حاس بشيء"؟!

فعلا يا يتيمة جازان، ظنك لم يخب وفي محله؛ فنحن لم نشعر بك، وسؤالك أكبر منا جميعا، ولا يملك أحدنا حتى الآن الجواب، لم نمنحك حقك في رؤية والدتك، لم نفعل شيئا إزاء معاناتك من التعنيف، ولم نتخذ أي إجراء بعد محاولاتك الأولى لشنق نفسك والانتحار، حتى المستشفى الذي استقبلك في المرات السابقة لم يفعل أي شيء من أجلك، كان فقط يسمح لك بالعودة إلى المنزل ولا يبالي إن كانت ستنجح محاولاتك القادمة في الانتحار! لم نبال بمرضك النفسي، لو كنا نملك الجواب لوجدت الرعاية الاجتماعية والنفسية، وبذل القليل من الإرشاد والعلاج النفسي عند أول محاولة انتحار، وكنا سنصنع من ألمك أملا، وندعمك حتى تستشعري الرضا والتسليم بفقد والديك، وأن تجعلي من حرمانك منهما طريقا لعمل تطوعي من أجل الأيتام؛ لينعموا بحنانك ورعايتك واهتمامك، ولكننا لم نبال بك.

حرمناك من والدتك وتركناك وحدك تجابهين العنف الأسري، وألم الفقد والحنين، وقتلناك بإهمالنا وجهلنا وعدم تفعلينا لقانون العلاج النفسي الإلزامي، وكل ما يتربط به من رعاية اجتماعية وحماية.

ليست وحدها ـ فتاة الركوبة ـ من قتلناها بإهمالنا وجهلنا. دعونا نخرج من قرية الركوبة النائمة خلف محافظة صامطة ولنذهب نحو الشمال قليلا إلى القوز 25 كلم جنوب محافظة القنفذة، نحو مسرح انتحار فتاة عشرينية ومباشرة شرطة القنفذة للحادثة وتكثيف التحقيقات لكشف ملابسات أسباب الانتحار. ولنصعد قليلا من ساحل القنفذة إلى جبال الباحة، حيث موقع هذا الخبر: "لقيت فتاة متزوجة، تبلغ من العمر "16" سنة مصرعها أمس "الاثنين" بعد أن أطلقت النار على نفسها، وتبين أن الفتاة تعاني مرضا نفسيا، مما جعلها تقدم على الانتحار، وكانت قد حاولت إيذاء نفسها أكثر من مرة قبل ذلك".

لاحظوا معي "وكانت قد حاولت إيذاء نفسها أكثر من مرة قبل ذلك"، ومن باب أن أثبت لكم أننا ننسى فتياتنا المنتحرات؛ أودّ لو أسألكم: من يذكر حادثة قرية رغوة التابعة لمحافظة خميس مشيط، حيث انتحرت فتاة تبلغ من العمر 14 عاما بعد أن علقت نفسها بحبل موثق بسقف غرفتها في منزل عائلتها؟، وفي شرق الوطن من جزيرة تاروت من يذكر هذا الخبر: "أقدمت إحدى السيدات في العقد الرابع من العمر على الانتحار صباح اليوم، وذلك بطعن نفسها بسكين في رقبتها، وقد كانت تعاني من مرض نفسي منذ فترة، وحاولت الانتحار أكثر من مرة، وزادت حالتها سوءا خلال الفترة الماضية، وذلك بحسب مقربين من العائلة، مشيرين إلى أنهم وجدوها في المنزل ظهر أمس تسبح في دمائها بعدما طعنت نفسها بسكين في رقبتها"!