التطرف المسيحي هو الوجه الآخر الذي يمكن رؤيته بقوة خلال المحاولة التافهة والمجانية للقس الأمريكي جونز المعادي للإسلام في إعلانه عن حرقه للقرآن الكريم يوم انفجارات 11 سبتمبر، والتي عاد عنها نهائيا؛ بعد أن حقّق الهدف المنشود في لفت أنظار العالم والصحافة الدولية والمكاسب المادية من المقابلات التلفزيونية والصحافية التي أجراها حتى بات اسمه مشهورا وكنيسته المغمورة التي لا يتبعها سوى خمسين عضوا فقط معروفة؛ ليس في ضاحيته بولاية فلوريدا بل في الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ عددها خمسين ولاية، ويصل سكانها إلى ما يزيد عن 300 مليون نسمة، ثم في العالم أجمع؛ فأمثاله فهموا اللعبة الإعلامية جيدا؛ فأي رمز ديني إسلامي يمكن استخدامه من قبل المرضى النفسيين المتطرفين قادرٌ على تحقيق الشهرة لهم؛ وأمثلة كثيرة لشخوص مغمورة ومهمشة في بلدانها ودولها تسلقوا عتبات الشهرة وحققوا مكاسب مادية على كاهل الرموز الدينية الإسلامية المقدسة، وليس ذلك إلا لأن المسلمين تعودوا على الصراخ والثورة والتشنج الغوغائي دون الاستفادة من هذه المواقف في دعم المشروع الإنساني الذي يعززه ديننا العظيم.
هذه المحاولة التافهة المتطرفة لهذا القس الفاشل الذي لا أظن أن المسيحية تفخر به؛ لأن عددا من رجال الدين المسيحي أبرزهم بابا الفاتيكان أنكروا عليه فعله هذا؛ تعتبر دليلا قويّاً على رسوخ التطرف الديني كمرض خبيث يصيب بعض منتسبي العقائد، وليس بريئا من بلائه أحد الأديان على وجه الأرض؛ فكما أصيب الإسلام بداء اسمه المتطرفون، وخرج من عباءتهم الإرهابيون بأفعال إجرامية؛ يصيب المسيحية أيضا، وبالطبع من قبلهم أصاب الصهيونيين اليهود، ويكفي أنهم من اخترعوا اللعبة الإرهابية في العالم.
والمهم في كل ما سبق؛ هو ماذا نستفيد من هذه المحاولة التافهة التي لم تدرك فيها الصحافة ووسائل الإعلام العربية للمسلمين سوى خروج المقالات والأصوات بصراخ يؤجج الانفعال العاطفي لدى المسلمين ؟! كيف نستثمرها في صالحنا أمام الآخر الذي أصيب بـ"الإسلامفوبيا" نتيجة تطرف وتعصب شرذمة تنتسب إلى الإسلام تكفر وتحل الدماء وتسبي النساء دون وعي بالرسالة الإنسانية الحقيقية لـ"الإسلام" ؟! كيف يمكن استثمار لحظة لفت العالم أجمع لكتاب عظيم هو تنزيل من ربّ العالمين وتعريف الآخر به على أنه كتاب بيان وإعجاز لغوي فريد وأخلاق وعلم وفلسفة ؟!
أظن؛ لكي نجيب ونتمكن من استيعاب دورنا في الإعلام العربي كمسلمين؛ علينا فقط أن نعيد قراءة نبرة أصواتنا "نحن " في كل الأحداث الماضية التي تمس رموزنا المقدسة، بداية من الرسوم المسيئة الكاريكاتيرية وانتهاء بمحاولة هذا المغمور المسيحي!! ونسأل بصراحة: هل هدفنا هو منع الآخر من الإساءة لرموزنا المقدسة فقط أم تعزيز احترامه لها ؟! إن كان الأول فالصراخ والتشنج يزيد من الأمر طينة وهو الحاصل؛ فلن تمنع أحدا لا يؤمن بعقيدتك ورموزها من الإساءة لها، أما إذا هدفنا هو فرض احترامه لها؛ فلن يكون إلا خلال حوار ديني هادئ وعقلاني، والله المستعان.