الثالث: عدت إلى منزلي قبيل الثانية، بعيد منتصف الليل، بعد يوم طوووويل بصحبة مريض، نسأل الله له العافية. كنت ظامئاً لنشرة الأخبار التي انقطعت عنها بسبب الظرف. وفي نشرة "الثانية"، تستمع وتشاهد، وباسم هذا الدين العظيم، إلى تدريب ممنهج على قطع الرؤوس. أصبحنا حصة "داعشية" من عرسال إلى الموصل، ومن تكريت إلى ريف حلب. كنت أصارع النوم العميق بعد يوم طويل على تقرير للقناة الفرنسية الناطقة بالعربية عن إنقاذ "قطة" هوت إلى بقايا منجم قديم وكيف وقفت فرنسا على إنقاذ قطة ونحن في المقابل نسهر على جز الرؤوس.

الثاني: بين الثانية عشرة ظهراً حتى ما قبل منتصف الليل، قضيت يومي بين عشرات الأجهزة الطبية المذهلة التي تحاول تطبيب كل شيء في حياة الإنسان من أجل كرامة الإنسان. كان آخرها، تماماً، جهاز إلكتروني لكشف حجم تدفق الدماء من القلب إلى الرأس عبر "الرقبة". ولن أكذب أبداً إن قلت إنني تذكرت كل مساهماتنا في قطع هذه الرقبة، وباسم هذا الدين العظيم، من القاعدة إلى شباب الصومال المؤمن، ومن لواء الأحرار إلى الظاهرة الاستثنائية لداعش. استغرقت أبحاث "ألمانيا" عشر سنوات كي تختصر وقت الأشعة المقطعية من 40 دقيقة إلى ثلاثين ثانية. نحن في المقابل، وباسم الدين ودماء العروبة، اختصرنا وقت ذبح الإنسان بسكين حاد إلى ثوان عشر. ومع هذا لا يزال لدينا الإيمان بأن كل العالم يتآمر علينا، بينما البراهين تقول: إنه يريد الفكة.

الأول: مشهد يبعث البشارة.. قضيت بياض نهاري بالأمس مع ثلاثة استشاريين سعوديين هم، للحق، بمثابة أبنائي، إن لم يكونوا إخواني الصغار. ومع حفظ الألقاب، فهد القحطاني "مخ وأعصاب"، عادل المصوري "قلب"، ومحمد الشهري "عيون". وفي خيالي، كان لهؤلاء الثلاثة النبهاء الأذكياء قبل بضع سنوات الخيار بين مدرستين: إما الذهاب إلى الأحرار والشباب المؤمن والقاعدة والنصرة والنهر البارد وكل ما عداها من عشرات الأسماء التي لا تحتاج إلا لسكين حاد كي تقطع الرقاب وتنهي الحياة لكرامة الإنسان في ثوان عشر، أو بين "جلالة" العلم الذي تغربوا لأجله في بقاع الأرض لتكون رقبة الإنسان وحياته كرامة مثلما يقول هذا القرآن العظيم. العبرة من المشاهد الثلاثة: بماذا نملأ عقل الإنسان وبماذا نحشوه؟ أسهل الطرق إلينا أن ندرب العقل على استخدام السكين، ولكن كيف؟!