من قال إن الشيعة يهتمون بالمنطق والفلسفة أكثر من أهل السنة؟ تساءل الزميل محمد المسحل في إحدى مخاطبات المجموعة البريدية (صناع الأحداث) التي أسسها الزميل معيض الحسيني في 2008 وتضم مجموعة (لا أحب كلمة نخبة) من الصحفيين والكتاب وسيدات ورجال الأعمال وكذا بعضا من البنكيين، ولتخصص الحسيني في الصحافة الاقتصادية، نجح ببراعة في استدراجهم لحوار مع الصحفيين في مساحة يتسع فيها الهامش نسبيا، كونه أشبه بمكاشفات الحجرات المغلقة. وهي سمة إنسانية كونية، تجدها في كل المجتمعات. ثمّ حديث للخاصة، وثمّ آخر للعامة.
المهم أن تساؤل المسحل أعادني للقرن الرابع الهجري، أحد أجمل الفترات التي عاشتها الثقافة في العالم الإسلامي، رغم التشرذم السياسي الذي ساد حينها حتى لم يبق للخلافة العباسية إلا بغداد، وقامت دويلات الحمدانية في العراق وشمالي سوريا والإخشيدية في مصر والفاطمية في المغرب وإفريقيا والسامانية في خراسان والبريدية في الأهواز وأواسط البصرة.
يرد في تناول عصر (الخوارزمي الكاتب) في كتابه (مفاتيح العلوم) الذي حققته نهى النجار أن (هذا التشرذم وتعدد أمراء المؤمنين لم يؤد إلى ضيق في معنى الإسلام، بل صارت كل هذه الأقاليم تؤلف مملكة واحدة سميت مملكة الإسلام، وقامت وحدة إسلامية لا تتقيد بالحدود السياسية الجديدة "قريبا من فكرة الاتحاد الأوروبي الآن، كنا متقدمين جدا"، وكان المسلم يستطيع أن يرتحل داخل حدود هذه المملكة في كنف دينه وتحت رايته، يجد فيها الناس يعبدون الإله الواحد الذي يعبده، وعادات واحدة متمتعا بقانون عملي يضمن له حق المواطن، بحيث يكون آمنا على حريته الشخصية من أن يمسها أحد). وظل المسلمون كذلك فترة طويلة حتى بلغ الخلاف الشديد بين الشيعة والسنة حدا كبيرا في نظرتهم للخلافة، وهي مسألة سياسية صبغت باللون الديني.
لتساؤل المسحل إجابة تقول إنه (لما جاءت الدولة الشيعية، ومنها السامانية (261 – 389) التي عايشها الخوارزمي في نيسابور، نصرت الفلسفة أكثر من أهل السنة، لأنها أعانتهم على فكرتهم في مسألة الظاهر والباطن، ولأنها تلين الجمود وتفتح الذهن لقبول الجديد بحسب النجار التي تتابع (كثيرا ما نرى فلاسفة هذا العصر يحتضنهم الشيعة كالفارابي وإخوان الصفا وابن سينا وغيرهم، ووفرت لهم بيئة وحياة عقلية في إقليم خراسان وما وراء النهر فكان لهم فضل في تنمية وتطور العلوم والآداب والفنون العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، الذي كان عصرا متقدما، فلئن كانت الثمار السياسية والأخلاقية والاقتصادية قد تساقطت فيه فالثمار العلمية قد نضجت، فالإمارات المختلفة كانت تتبارى في تجميل موطنها بالعلماء والمفكرين والأدباء وتتفاخر بهم) تماما كما نتفاخر الآن بهيفاء ونانسي وبقية الخلاقين.