أعلنت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة"، عن تمكنها من الإطاحة "بمدير إدارة التخطيط العمراني في أمانة المنطقة الشرقية وآخرين متعاونين معه، بسبب أخذهم رشاوى لقاء أداء أعمال تعد من واجباتهم الوظيفية"، ورداً على هذا البيان ذكرت الأمانة بأن "نزاهة" ارتكبت ثلاثة أخطاء، وهي:
• عدم تحري الدقة في اتهام مدير إدارة التخطيط العمراني، حيث إن المتهم هو أحد مرؤوسيه.
• المخالفة وقعت قبل ثلاث سنوات وكان من الواجب على "نزاهة" توضيح ذلك.
• التطرق للقضية التي ما زالت تحت نظر القضاء وهذا مخالف للنظام.
وبناء على ما سبق، فإن "نزاهة" لم تقم بالرد على تصريح الأمانة السابق، بالرغم من ثبوت واقعة الرشوة واعتراف الأمانة بذلك، لأنه من المهم معرفة الموقع الوظيفي للمتهم بالرشوة، فهل هو في منصب قيادي؟ أم أنه موظف في إدارة التخطيط؟.
هذا التصنيف الوظيفي للمتهم بالرشوة، هو مفتاح معالجة هذه القضية في الأمانة فإذا كان المتهم فعلاً هو مدير إدارة التخطيط، فهذا يجعلنا نتساءل عن كيفية الرقابة على أعمال المديرين في الأمانة؟، وإذا كان موظفاً في الإدارة، فإننا نتساءل عن كيفية الرقابة على أعمال الموظفين؟.
لقد أوضحت "نزاهة" وقائع الرشوة والأساليب المستخدمة في ذلك، وهي تدخل ضمن ما يسمى "الامتناع عن أداء عمل" كأحد مظاهر الرشوة، كأن يمتنع الموظف الحكومي عن إنجاز معاملة وجب عليه أداؤها، أو يعرقل ذلك، أو يضغط أو يؤثر في غيره، ليمتنع أو يعرقل إنجازه، أو يحرم ما أباحه القانون.
وقد قامت "نزاهة" مشكورة بتعرية هذه الصورة من مظاهر الرشوة والسلوك المنحرف في الوظيفة العامة، حيث كان المتهم ومعاونوه يقومون بالضغط على أصحاب المخططات العقارية وشركات التطوير العقاري بدفع الرشوة لأجل إجازة مخططاتهم، وفي مثل هذه الحالات، لا يتم الكشف عنها إلا عن طريق البلاغات من قبل أصحاب المصلحة، حيث يعمل "كمين" لكشف المرتشين متلبسين، وفي حالات أخرى يتم الكشف عنها عن طريق مراجعة إجراءات العمل وتقييم المخاطر، وهنا نزاهة لم توضح الثغرات الرقابية الموجودة في الأمانة والتي استطاع من خلالها المتهمون طلب الرشوة والضغط على المستثمرين.
فعلى سبيل المثال، قررت دائرة الصحة العامة في مدينة لوس أنجلوس، أن تصنف نظافة المطاعم، فتم تصنيف المطعم النظيف بعلامة (A) ، والمطعم الأقل نظافة يصنف بعلامة (B)، والمطعم سيئ النظافة يصنف بعلامة (D) وعلى وشك إغلاقه، وقد علم المسؤولون في دائرة الصحة أن بعض فرق التفتيش التي تزور المطاعم تتقبل الرشوة مقابل حصول المطعم على علامة أفضل.
ولكي تحد الإدارة من مخاطر الرشوة في فرق التفتيش، قامت بإرسال موظفيها للعمل في المطاعم، وفي الوقت نفسه أرسلت فرق التفتيش إلى هذه المطاعم لتصنيف نظافتها، وقد حاول موظفو الإدارة العاملون في المطاعم رشوة المفتشين في ظل وجود كاميرات وأجهزة تسجيل، وبذلك استطاعت إدارة الصحة الحد من مخاطر الفساد في إدارتها، مع كسب ثقة الناس في قدرتها على حفظ الصحة العامة في المدينة.
وبناء على ما سبق، كان من المفترض على "نزاهة" توضيح الثغرات الرقابية والنظامية التي أدت إلى وجود واقعة الرشوة، كما على أمانة المنطقة الشرقية توضيح الإجراءات التي اتخذتها في سبيل معالجة الخلل الموجود لديها.
تجدر الإشارة هنا إلى وجود خبر صحفي عن إدانة الدائرة الجزائية في المحكمة الإدارية، لأربعة قياديين بأمانة المنطقة الشرقية أيضاً، تتمثل في ارتكاب "العبث في الأنظمة والتعليمات والتلاعب بطرق تنفيذها، وذلك أثناء عملهم أعضاء في لجنة متابعة تنفيذ (أحد المشاريع في مدينة الدمام)"، ومع واقعة الرشوة التي اكتشفتها "نزاهة" تدل دلالة واضحة على وجود إشكالية في أنظمة الرقابة الداخلية في الأمانة.
وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية، للأسف غير معمول به في كثير من الجهات الحكومية حتى الجهات الرقابية نفسها لا تقوم بهذه المهمة بالرغم من أن ذلك من صميم اختصاصاتها!، وهنا أتساءل كيف يثق (الأمين) في مصداقية التقارير المرفوعة إليه من قبل الوكلاء والمديرين؟، ومن هنا يتضح دور المراجعة الداخلية والخارجية في دعم المساءلة العامة.
عند مراجعة الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، نجد نصوصاً تتعلق بتقييم أنظمة الرقابة الداخلية منها: الفقرة (د) من البند (2) من ثالثاً التي تنص على "تطوير وتقويم الأنظمة الرقابية والإدارية والمالية، لضمان وضوحها وسهولة تطبيقها وفعاليتها"، كما نجد في تنظيم نزاهة الفقرة (7) من المادة الثانية التي تنص على "مراجعة أساليب العمل وإجراءاته في الجهات المشمولة باختصاصات الهيئة بهدف تحديد نقاط الضعف التي يمكن أن تؤدي إلى الفساد، والعمل على معالجتها بما يضمن تحقيق أهداف الهيئة وتنفيذ اختصاصاتها".
كما تضمنت معايير المراجعة الحكومية وكذلك معايير المراجعة الداخلية، معيار تقييم أنظمة الرقابة الداخلية والذي يؤكد على ضرورة الوصول إلى فهم كافٍ لنظام الرقابة الداخلية بهدف تقييمه، وبغرض تحديد ما إذا كان النظام الموضوع يوفر تأكيدًا معقولاً بأن أهداف الجهة سيتم تحقيقها بطريقة اقتصادية وبكفاءة، ويتفق هذا المعيار مع ما جاء في الفقرة (1) من المادة العاشرة من اللائحة الموحدة التي حددت أن من اختصاصات وحدة المراجعة الداخلية تقييم أنظمة الرقابة الداخلية.
إن مفهوم نظام الرقابة الداخلية غامض وغير واضح لكثير من العاملين في وحدات المراجعة الداخلية وفي الجهات الرقابية، وبالتالي غموض كيفية تقييمه، لذا أستطيع القول إن كثيرا من مظاهر الغش والفساد في الجهات الحكومية تصعب السيطرة عليها وبالتالي معالجتها والحد منها.
وفي النهاية أتساءل: يا ترى لو تم تقييم أنظمة الرقابة الداخلية في الأمانات، ماذا سيحدث؟.