وفي الترتيب تقبع إيران مباشرة خلف روسيا في سلم جذور وبذرة دعم الإرهاب العالمي. ومن الملفت أن هذين البلدين يناوران ببراجماتية مذهلة. يصعب جداً أن تجد روسياً أو إيرانياً على كل قوائم الإرهاب؛ وذاك لأن النمط البراجماتي في عالم السياسة ينذر من خطر الوقوع في الخطأ المباشر. ولخمس وثلاثين سنة فيما بعد الثورة الخمينية تصرفت إيران مع خيوط الإرهاب كقوة خفية ناعمة. وبدهاء مدهش، استخدمت إيران معظم حركات الإسلام السياسي كأذرع مستقلة، ومفصولة عن "الجسد" الإيراني ووصلت بها البراجماتية الاستخباراتية إلى الاستخدام المكشوف للحركات الجهادية السنية المتطرفة لخدمة الأجندة الإيرانية بشكل فاضح، دون أن تتورط معها إيران مباشرة ولو برأس إبرة. خذوا هذه الشواهد: لماذا وصلت "داعش" لأن تكون قارب الإنقاذ الأساسي لنظام بشار ولماذا، ومن هو السبب، الذي أنسى كل فصائل الثورة السورية نضالها ضد النظام السوري الدموي لتتفرغ منذ أكثر من عام لقتال داعش؟ لماذا استيقظت دولة مثل السودان ذات العمق السني العريق لتطرد الملحقية الثقافية الإيرانية رغم أن الأخيرة، وبالبراهين لا زالت حتى اللحظة تستأجر أهم ميناء سوداني؟ كيف استطاعت إيران أن تكون الداعم الخفي لولاءات الشباب المسلم في الصومال وبوكو حرام في قلب أفريقيا وأخيراً جماعة أنصار الشريعة الليبية، رغم التباين العقدي المتناقض ما بين السلفية الجهادية والإمامية الاثني عشرية؟ وفي لفتة شاردة، كيف خرجت زوجة أسامة بن لادن إلى دمشق من طهران وكيف تركت من بعدها قوائم أقرب دائرة خاصة إلى زعيم القاعدة ليعيشوا في العاصمة الإيرانية؟ كل هذه الصور المتناقضة تبعث عشرات الأسئلة.

وكل الشواهد تشير إلى أن الثورة الخمينية قد نجحت بامتياز في أن تجعل من المحيط السني والخارطة العربية حديقة أمامية تزرع فيها الأشواك ونباتات السموم وحتى اللحظة استطاعت إيران أن تقسم خرائط أربع دول عربية جوهرية إلى شطرين متحاربين متناقضين. صور الخميني وأعلام إيران ترتفع في شمال اليمن وجنوب لبنان، وفي جنوب العراق وقطاع غزة أكثر مما ترتفع أعلام الدول نفسها في هذه الأماكن، وكأن العرب بلا جذر أو بذور أو تاريخ في هذه المساحات الواسعة من تاريخ الإرث واللسان العربي.

وأخيراً، وهذا ما أحذر منه: كيف وصلت إيران إلى شرق الخليج واستطاعت أن تقسم راياته المتوحدة إلى رايتين؟ وكيف استطاعت تطويع جل حركات الجهاد السلفي ـ القاعدة ثم داعش ـ لخدمة أجندتها الخاصة؟!