هذا الدين قادر على احتواء الإنسان بكل ما فيه من ضعف ونقص، قد يكون الإنسان لاهيا متلبسا ببعض الذنوب، ولكنه أعلم وأخدم لهذا الدين من إنسان أمضى حياته بين المساجد وحلقات الذكر والمواعظ، فالمظهر شعبة من شعاب الدين، وللدين شعاب أخرى بين قلبية وعقلية وجوارحية، بين قول وفعل، بين مظهر ومخبر.

إن المعنى في أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أن يسعى المؤمن إلى تحقيق توازن بين شعاب الإيمان، أن يُعوِض قصوره في شُعبة بإتمام أخرى، لا أن يُحقق كل شِعاب الإيمان في نفسه، لأنه وإن أراد فلن يستطيع الوصول إلى الكمال، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع، فالمجتمع المتدين ليس هو المجتمع الطاهر النقي، ليس هو ذلك المجتمع الذي يسارع كل أفراده إلى المساجد، وإذا صلوا خشعوا في صلاتهم، ليس هو بالمجتمع الذي لا مكان فيه لارتكاب الذنوب! إنما هو المجتمع الذي يوازن بين شعاب الإيمان، هو المجتمع الذي يعترف بأخطائه ثم يبادر إلى تصحيحها فورا مع التسليم بأن الأخطاء واقعة لا محالة.

إننا قادرون على تأليف كتب ومجلدات تحمل فكرة الكلام أعلاه، نستطيع أن نردد صباح مساء بأن المظهر ليس دليلا على المخبر، وأن الالتزام الظاهري ليس مقياسا على طهر ونقاء السريرة، والعكس صحيح.

إن أدبياتنا تحمل كل المعاني الجميلة، غير أن جمال أدبياتنا مسجون في إطاره النظري، أي أن هنالك تفاوتا بين اعتقاداتنا النظرية وممارساتنا العملية، فعمليا نحن نسير في اتجاه معاكس لما نعتقده نظريا.

الإسلام هو عماد المجتمع السعودي، منه يستمد وإليه يُحيل غالب شؤونه، وهذا شيء جميل باستثناء اعتقاد يعشش في أفهام بعض أبناء هذا المجتمع بأن إسلام هذا المجتمع ليس كما ينبغي، ومن يحمل هذا الاعتقاد فإنه يحمل نفسه حملا أثقل مما تحتمل، وثقل الحمل سيفرض عليه اتباع سلوكيات هي على النقيض من أدبيات الإسلام النظرية، هنا من الطبيعي أن يكون المظهر هو المقياس الرئيس، وعليه تُبنى كامل عملية الوصاية، وليس الحديث هنا عن مظهر الفرد كتقصير الثوب وإطالة اللحية، إنما الحديث عن مظهر المجتمع، أن يبقى مجتمعا محافظا حسب الشروط بأي ثمن كان، ومن وضع تلك الشروط هو نفسه من يعتقد أن إسلام هذا المجتمع ليس كما ينبغي!

لو تأملنا في حادثة هيئة الأمر بالمعروف، وحادثة معلم تحفيظ القرآن، سنرى أنها أخطاء تحدث في كل مؤسسات الدولة، ونحن على ثقة أن أول المبادرين لتصحيح تلك الأخطاء هم المسؤولون في المؤسسات الدينية "الهيئة" و"وزارة الشؤون الإسلامية"، ولو تأملنا لوجدنا أن الخلل ليس من طبيعة هذه المؤسسات إنما الخلل في فكر وثقافة بعض المنتسبين إليها وبعض المتعاطفين معها؛ لأنهم في الأساس قد حمّلوا أنفسهم ما لا تحتمل حين ظنوا أن إسلام هذا المجتمع ليس كما ينبغي، بالتالي فعليهم ـ لا على مؤسسات الدولة ـ تقع مسؤولية إعادة المجتمع إلى النهج القويم بالمعروف أو بالمنكر إن لزم الأمر.

إن ما نتج عن تلك الحادثتين من أخذ ورد يوضح مدى استفحال الداء، فأغلب المعارضين لم يكتفوا بتشويه صورة مؤسسات الدولة الدينية، إنما راحوا يشوهون الدين بالعموم، وهؤلاء يستحقون كل ذم وتقريع، لكن ماذا عن المدافعين؟

المدافعون أيضا قد شوهوا صورة الدين بالعموم، حين أوهمونا أنهم يدافعون عن الدين عبر الدفاع عن تلك المؤسسات، بينما الحقيقة أنهم يدافعون عنها من أجل الحفاظ على مظاهر تدين المجتمع الموضوعة حسب الشروط، إن دفاعات المدافعين عن تلك المؤسسات ليس حبا فيها إنما رغبة في تطويعها، لذا نراهم وعلى الرغم من الدفاع المستميت يقفون بالمرصاد أمام كل بادرة إصلاح تخالف الشروط وإن كان المُبادر هو رئيس الهيئات! وكأن المسألة برمتها مسألة أجندات ومصالح وأطماع، مصالح تتحقق بشرط المحافظة على لمعان سطح المجتمع بأي ثمن، ومرة أخرى ليس حبا في المجتمع أو رغبة في إبعاد أفراده عن جهنم وبئس المصير، إنما حفاظا على ديمومة المكاسب الدنيوية، وهي مكاسب ستتضاءل إن حاد أفراد المجتمع عن خط السير الذي رسموه، أو هكذا يظنون.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الإيمان بضع وسبعون شعبة..."، وعلى أرض الواقع هنالك من يرى أن كل شعاب الإيمان باطلة، وهنالك من يرى أن كل شعاب الإيمان باطلة باستثناء ما وافق هواه وحقق مصالحه، وعلى الرغم من أن الاعتدال هو السائد، إلا أن صراخ التطرف في كل اتجاه يعلو، في تطرف ينشط أكثر ما ينشط في المكاره كما نشط مؤخرا في حادثة الهيئة، وغدا سيستغل التطرف أي حادثة عرضية لينشط صارخا من جديد.

في الختام، المرء يستغرب كيف يتفق متطرفو المجتمع المتدين على أن الدين هو مشكلة مجتمعهم المتدين! متطرفو اليسار يرددون: اتركوا الدين وتُحَل مشاكلكم، ومتطرفو اليمين يرددون: عودوا إلى الدين وتُحَل مشاكلكم! ونيابة عن المجتمع أقول: مشاكلنا ستُحَل حين يصمت المتخلفون.