لا شك أن للدين دورا قويا في إبعاد الإنسان عن مواطن الزلل ومخافة الوقوع في العقوبة الأخروية، والسعي إلى مرضاة الله عز وجل، بأي عمل يقوم به، وبالتالي فإن الدين يخلق للإنسان رقابة ذاتية لديه، كما أن للعبادات أثرا في تحسين الأخلاق والسلوك وتقويتها ودعم الحقوق الفطرية في واقع الإنسان والمجتمع البشري.
وهذا ما ورد في النصوص القرآنية للإنسان والبشرية في مجال الأمر بالعدل والإحسان وعمل الخير، والنهي عن الظلم والشر والفساد من قبيل قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون".
ولهذا تستند الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد في المملكة، على أن "الدين الإسلامي الحنيف -عقيدة وشريعة ومنهج حياة- هو الركيزة الأساسية التي تحكم هذه الاستراتيجية: منطلقات وأهدافاً ووسائل وآليات، وتعد كل عمل من شأنه الانحراف بالوظيفة العامة والخاصة عن مسارها الشرعي والنظامي الذي وجدت لخدمته، فساداً وجريمة تستوجب العقاب في الدنيا والآخرة".
وعلى هذا الأساس، فإن للعلماء والدعاة ورجال الدين دورا مهما وكبيرا في مجال مكافحة الفساد، لما لهم من تأثير بالغ في نفوس مقلديهم وأتباعهم ومحبيهم، ولما يتمتعون به من مكانة اجتماعية يستطيعون من خلالها توصيل ما يريدون إلى الناس، وإقناعهم به، وهذا الأمر يجب أخذه في الاعتبار في جهود مكافحة الفساد.
ولكن المتتبع للخطاب الديني السائد، يجد أن قضايا الفساد غير مطروحة في أجواء الدعاة ورجال الدين للأسف، كما أن المفهوم المعاصر للفساد غير مطروح في أجواء الفقه الإسلامي، بالإضافة إلى وجود ممارسات في بعض الجهات الحكومية تدخل ضمن مفهوم الفساد ولكنها للأسف تعتبر شرعية، وفقا للثقافة السائدة لبعض الموظفين.
فمعنى الفساد في بعض الأبحاث الفقهية يقتصر فقط على مفهوم المعصية والذنب، كالزنا وشرب الخمر والانحراف في العقيدة، وعدم ممارسة شعائر العبادات، وبيع الميتة والدم في المعاملات، ومعلوم أن مثل هذه المعاني غير ناظرة إلى المعنى الحديث للفساد في الدراسات المعاصرة، مثل إساءة استعمال السلطة، وعدم احترام حقوق الإنسان.
ولهذا كان من الضروري تسليط الضوء على المفهوم الحديث للفساد ومعرفة أركانه وعناصره في الحياة المجتمعية المعاصرة، ومن الضروري هنا أن نشير إلى الجهود الدولية في مجال مكافحة الفساد، والتي تركزت حول تجريم أعمال الفساد، كالاختلاس والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استعمال السلطة، ومحاسبة المسؤولين، والتيقظ في الأعمال المصرفية لمحاربة غسل الأموال والثراء غير المشروع.. إلخ.
وكان من آخر هذه الجهود، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 وتعد هذه الاتفاقية من أبرز إنجازات الأمم المتحدة كمنظمة مركزية ودولية، ومن أكثر اتفاقياتها تفصيلاً، وقد تضمنت هذه الاتفاقية (71) مادة موزعة على ثمانية فصول (الأحكام العامة، التدابير الوقائية، وإنفاذ القانون، التعاون الدولي، استرداد الموجودات، المساهمة التقنية وتبادل المعلومات، وآليات التنفيذ).
وما ورد في الاتفاقية من مظاهر وأوجه الفساد غير مطروح في أجواء الخطاب الديني كما ذكر آنفاً، والوعي المجتمعي في تزايد لمثل هذه المظاهر ولكن يحتاج إلى إقرار وفهم أكثر من خلال هذا الخطاب بحيث تكون هناك ثقافة سائدة في المجتمع تجرّم أوجه الفساد.
فعلى سبيل المثال، توضح اتفاقية الأمم المتحدة طرق مكافحة الفساد، من خلال ترسيخ كل دولة سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد، تعزز مشاركة المجتمع وتجسد مبادئ سيادة القانون وحسن إدارة الشؤون والممتلكات الحكومية، والنزاهة والشفافية والمساءلة، وأن يكون توظيف الموظفين العمومين على أساس مبادئ الكفاءة والشفافية والمعايير الموضوعية، مثل الجدارة والإنصاف والأهلية.
وفي بعض الجهات الحكومية، نجد أن هناك سرية تامة وعدم وجود معايير واضحة في تعاملاتها، مثل التوظيف والترشيح للبرامج التدريبية، ولذلك تنشأ الواسطة والمحاباة والمحسوبية، وتبادل المصالح، وللأسف قد يرى بعض رجال الدين والدعاة أن مثل هذه الممارسات لا بأس بها من باب الشفاعة الحميدة وفعل الخير، وبالتالي عدم الالتفات إلى عملية تجاوز الأنظمة والقوانين، فحتى لو افترضنا أن هناك شفاعة لمستحق لوظيفة ما، بحيث لا يتم الإضرار بالغير، فلماذا لم يتم من الأساس قبوله في الوظيفة إذا كان مستحقاً لها؟ أليس معنى ذلك وجود خلل في عملية التوظيف؟
مثال آخر، ظاهرة التهادي بين المواطنين والمسؤولين والتي يحاول البعض إيجاد الأعذار لقبولها فيقولون: إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال "تهادوا تحابوا"، أليست الهدية صورة من صور الرشوة التي تقود إلى إساءة استعمال السلطة وفي النهاية إلى الإثراء غير المشروع؟
عندما تقوم بعض الجهات الحكومية بتضخيم منجزاتها وإدراج معلومات مغلوطة في تقاريرها السنوية، أليس هذا نوعا من عدم الأمانة وعدم المصداقية؟ عندما يتم التلاعب بالميزانيات من أجل تبادل المنافع والمصالح بين المسؤولين، أليس معنى ذلك المتاجرة بالوظيفة؟ عندما يتخذ قرار بحرمان موظف من نقل أو علاوة أو ترقية أو بعثة دراسية تنكيلاً به وتشفياً بالمرؤوسين من الرئيس، فتكون النظرة إلى المسؤول بأن يفعل ما يشاء بموظفيه، أليس هذا يندرج تحت باب الانحراف عن السلطة؟
المظاهر السابقة من مظاهر الفساد، لا يلتفت إليها الخطاب الديني، وربما يقرّها على وجه من الوجوه في بعض الأحيان بسبب العادات والتقاليد السائدة في المجتمع والتي قد تتقاطع مع مفاهيم مكافحة الفساد الحديثة، ومن هنا تعتبر هذه المسألة من المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي، حيث ينبغي على الفقهاء ورجال الدين دراستها في إطار مفاهيم جديدة عن الشفافية والمساءلة والنزاهة والعدالة ووفق مقاييس تنسجم مع تطور الآفاق المعرفية للإنسان المعاصر، مع دعمها بنصوص القرآن والسنة التي تجرّم الفساد الإداري والمالي في الشريعة الإسلامية، فالممارسات الوظيفية المنحرفة لا تخرج عن كونها من الناحية الشرعية، إثماً يجرم فاعلها بتطبيق القانون العقابي عليه عاجلاً في الدنيا، أو آجلاً في يوم الحساب.