أعرف أن السينما مهمة، الفن مهم جدا، أنا أعشق السينما وأظن أنه من بين 28 مليون نسمة، هو عدد تعداد سكان المملكة وفق آخر إحصائية لعام 2012، هناك ما يقرب من النصف من يريد أن تكون في بلاده دورا للسينما.
هي ثقافة أخرى، تشبه تماما ثقافة معرض الكتاب الذي يقام كل عام في الرياض، مجرد الدخول إلى السينما هو بحد ذاته ثقافة مختلفة. إقبال على حياة أخرى، ارتباط اجتماعي وأسري، وقيادة المرأة للسيارة أيضا مطلب في غاية الأهمية، الأمور تبدو صعبة للكثير من النساء في وطني، لكنها باتت ضرورة.
هل هذه الأمور حقائق يريدها الكثيرون من الموطنين؟ هل أخطأت حينما كتبت كثيرون أم هم فقط نصف المواطنين أم الثلث؟ لا يهم عدد الذين يريدون بناء دور للسينما، أو المطالبين بأهمية قيادة المرأة للسيارة؛ كي تمارس حياتها الطبيعية، لا يهم أين تذهب بسيارتها، المهم في الأمر أنها تريد الاستقلالية فيما يرفضها البعض، لكني أعيش في وسط اجتماعي أسري استطاع أن يوفر لي كل ذلك، فلم أعد أفكر شخصيا إذا ما كان هذا الأمر مهما أو غير ذلك، فإن جاء فأهلا وسهلا، وإن لم يأت فأنا مازلت متوائمة مع ما توفره لي أسرتي، لكن البعض ـ وهم كثيرون أو هن كثيرات ـ لا تتوفر لهن ما يتوفر لي أو لغيري، لذا كنت بعيدة بعض الشيء عن الدخول في مثل هذه المواضيع، لم أكن أفكر بها بجدية كما يفعل البعض، لم أطالب بها، لم أفتح فمي، لم أغامر وأركب سيارة الأسرة وأقودها في الشارع تحديا للقانون، لم أكتب يوما عن أهمية وجود السينما، ولكني قرأت للكثيرين من أبناء هذا الوطن أنهم يرغبون جدا في وجودها، قرأت مشاعرهم وانفعالاتهم وعدم رضاهم من عدم وجود مثل هذين المطلبين، كل ذلك كان عبر قنوات مختلفة وأهمها شبكات التواصل الاجتماعي.
لست أنانية، لكن ربما لأني لم أعتد أن أفكر بحدية كبيرة عن أشياء أستطيع أن أجدها في مكان آخر، رغم أنني أتلمس رغبات الآخرين، أتفهم جيدا احتياجاتهم، ولكني قاصرة جدا في أن أكون ثائرة في هاتين الإشكاليتين، ربما لأنني اعتدت وأنا طالبة في جامعة البحرين، أن أذهب بشكل أسبوعي إلى السينما، وهي التي دفعتني بشكل صحي ونفسي إلى أن أكتب أكثر مما كنت أرغب فيه، ربما لأن أسرتي وفرت لي أكثر من سائق، وهو ما جعلني لا أفكر جديا في أن أخوض غمار مطلب النساء اللاتي طالبن بالقيادة، مازلت أتساءل: هل أنا أنانية لأني أحمل مثل هذا التفكير؟ أم إنني أشبه بعض الفتيات اللاتي يعشن ذات حياتي الاعتيادية، إذ إن ما لا ينقصنا لا نفكر به، إنما تتمحور آمالنا وطموحاتنا حول أمور أخرى؟ أيضا هي مهمة، ولكن البعض يتصور بأن البدء بمثل هذين المطلبين مثلا، سيقود المجتمع السعودي لأن يحقق الكثير من المطالب الأخرى، أقول ربما، ولست أعلم تحديدا إذا ما كنت قد وفقت فيما وصلت إليه.
لكني اليوم، ظللت دون هوادة أفكر بأشياء تغمرني، حينما كنت على جسر الملك فهد متجهة إلى البحرين، استوقفني رجل الجوازات وأخذ يتطلع طويلا إلى صورتي في بطاقة الأحوال، وسألني عن التاريخ الذي أصدرت فيه البطاقة؟ ولم أكن أملك الإجابة الصحيحة، قلت لهُ ربما منذ عام، في الحقيقة لا أذكر متى؟ وظل يحاول أن يتأكد من أن الصورة المرفقة في البطاقة هي صورتي، الوقت الذي قضاه وهو يتأمل صورتي وبي، جعلني في ورطة من الخجل، لم يحدث هذا مرة واحدة لي على الجسر، وإنما حدث أكثر من مرة، وهنا تساءلت: هل يمكن أن يحتاج وطني إلى سينما أم إلى ثقافة تشبه ثقافة بقية دول الخليج في كيفية التعامل مع المواطنين، وعلى الأخص مع النساء؟ فحينما يستوقفك رجل الجوازات لأكثر من سبع دقائق، ويبدأ في طرح أسئلة كثيرة عليك، وتشعر أنك مذنب دون سبب، فهناك ثمة مشكلة كبيرة، أن العاملين في القطاعات الحكومية يحتاجون إلى المزيد من التهذيب في التعامل مع المواطنين والمواطنات، أيضا ما يحدث من مشاكل يتسبب بها بعض العاملين في "هيئة الأمر والنهي عن المنكر"؟ لقد غص "تويتر" مثلا بحكاية السيدة السعودية "عبير" وزوجها البريطاني، والتعدي الذي تم عليهما، واعتذار رئيس الهيئة بالنيابة عن العاملين في هذا الجهاز، أيضا هؤلاء يحتاجون إلى دورات مكثفة جدا محليا وحتى دوليا في كيفية التعامل مع الآخرين، ليس المهم أن تصرف لهم سيارات للمطاردة مثلا، لكن الأهم أن يكونوا صورة جميلة ورائعة لمعنى الأمر بالمعروف قبل النهي عن المنكر، حيث يتوجب على هذه الهيئة الدينية أن تعمد إلى ضرورة اختيار العاملين لديها بدقة وصعوبة شديدة، وبعد اختبارات كثيرة، وليس كل من "هب ودب" يمكن لهُ الالتحاق بهذا الجهاز الديني، يجب أن يحظى الموظف فيها بقبول حسن من قبل الجمهور الذي سوف يصادفه، أن تكون الوظيفة ليست مجرد تشريف، وإنما يشعر أنها تكليف، وبأنه لم يحصل عليها بهذه السهولة.
أنا أحب وطني جدا، وبالتأكيد أتمنى أن تقود المرأة السيارة، وأن تكون هناك دور للسينما، لكن تبقى ثمة أشياء مهمة جدا غير التي ذكرتها في مقالي، أشياء كثيرة جدا بحاجة إلى إعادة نظر.