عادة ما يُنظر إلى التعليم على أنه هو المشكلة والحل للمشاكل العامة التي تعاني منها المجتمعات. بمعنى أنه في حال التفكير في الوطنية وشعور الناس بضعف الانتماء الوطني لدى المواطنين، فإن الأصابع تتوجه للتعليم كسبب وإليه في ذات الوقت كحل.

إصلاح التعليم هنا هو غالبا الطريق المقترحة لحل المشاكل الكبرى في كل المجتمعات. هذا الموقف ناتج لعدة أسباب من أهمها أن التعليم هو المؤسسة الأكثر تنظيما ضمن مؤسسات المجتمع العامة.

هذا التنظيم وما يترتب عليه من جهود وإنفاق، تجعل من توقعات الناس ترتفع لما يمكن أن يجنيه المجتمع من هذه المؤسسة.

شخصيا أتفق مع الطرح السابق مع الإقرار أن التعليم مؤسسة ضمن مؤسسات، ولا تستطيع إحداث تغييرات جذرية وحدها.

في موضوع الوطنية هناك أمل في أن يساعد النظام التعليمي فعلا على إحداث تغييرات جوهرية في حال الشعور الوطني داخل الجماعة السعودية.

من المهم هنا الحديث بوضوح عما أعنيه بالوطنية. الوطنية هنا علاقة خاصة تجمع الفرد السعودي بالأفراد السعوديين مما يشكل الجماعة السعودية. بمعنى أن يشعر الفرد أن بينه وبين الجماعة السعودية ارتباط خاص ناتج عن الشراكة في الوطن بكل معانيه. هذه العلاقة الخاصة لا تعني الولاء لهذه الجماعة ومعاداة غيرها، بل هي وعي بالطبيعة الخاصة التي تجمع الفرد بهذه الجماعة.

الطبيعة الخاصة هنا تعني الشراكة الاجتماعية ضمن عقد اجتماعي خاص لا ينتمي إليه إلا الجماعة السعودية. هذه الطبيعة يفترض أن تؤدي إلى حالة من الانتماء الطبيعي لهذه الجماعة؛ بسبب العيش المشترك والتاريخ الذي نتج عنه. دور التعليم في تحقيق هذا الدور أساسي وكبير، لكنه لا بد أن يكون مقصود ومخطط له.

القضية الأساسية هنا هي أن تكون البيئة التعليمية فرصة لبنات وأبناء المجتمع الواحد للقاء والتعرف على بعضهم. هذا الهدف يحدث إذا عمل النظام التعليمي على احترام ورعاية التنوع والاختلاف والتعدد داخل المجتمع.

بمعنى أن الطالبات والطلاب سيتعرفون على بعضهم حين تساعدهم المدرسة على أن يعبروا عن أنفسهم أولا. التعبير الحر هنا سيعكس التنوع الثقافي والفردي اللذين تتشكلان منه جماعة المدرسة؛ كي يظهر الجميع، ويعبروا عن أنفسهم، ويتعرفوا على بعضهم، ويدركوا معنى الجماعة التي ينتمون إليها.

لا بد من توفير علاقات عادلة داخل بيئة التعليم. أي معادلة من العلاقات المبنية على احترام حقوق أفراد العملية التعليمية. علاقات تمنع المعلم من قمع طالبه وتمنع الغالبية من الطلاب من قمع الأقلية. معادلة تحترم حق الجميع في التفكير والتعبير بحرية. معادلة تحترم حق الطالبة والطالب في توجيه مسار تعليمه الخاص.

في هذه البيئة التي تحترم الحقوق سيشعر أفراد الجماعة المدرسية، الذين هم أفراد الجماعة الوطنية، بالأمان وبالقيمة الأساسية للعلاقة الوطنية الكبيرة التي تجمعهم.

الوطنية القائمة على العدالة والوعي بقيمة العيش المشترك، تؤسس لعلاقة وطنية صحية، تمتد آثارها إلى علاقات صحية أوسع مع أفراد وجماعات خارج الجماعة الوطنية. بمعنى أن الوطنية المؤسسة على العدالة لا تدفع أفرادها لمعاداة مَن هم خارج تلك الجماعة.

الهوية الوطنية بهذا المعنى لا تنتمي إلى الهويات الحادة التي تؤسس الجماعة الخاصة بناء على معاداة ومخاصمة الجماعات الأخرى.

الوطنية هنا تستوجب أن تذهب الطالبة إلى مدرستها والطالب إلى مدرسته دون أن يخفي أو يخجل من مكوناته الفكرية والثقافية أو الفردية الخاصة، بل يذهب إلى المدرسة ليجد من يعزز تلك الشخصية ويحترمها ويرعاها.

في تلك البيئة تحديدا ستشعر الطالبة بأنها تمنتمي إلى جماعة تستحق الولاء والمحبة والتضحية أيضا.