الإرهاب ليس حكراً فقط على نتائج أفعال تنظيم مُلَثم يتهافت على اجتزاز الرقاب، أو حِزام ناسف يسعى لترويع العباد، أو فكر منحرف يدُّس السموم في عقول الأطفال والشباب، بل هو أيضا نتيجة حتمية لمعصية شرائع الأديان واستهتار بقواعد النظام وابتزاز للمجتمع والأوطان. وعندما تقتنع شعوبنا العربية بأن لكل طاعة ثواباً ولكل معصية عقاباً، تصبح الطاعة نبراساً في حياتنا اليومية وتختفي المعصية من قواميسنا الاجتماعية، ليتغلب النظام على الفوضى، ويحل العدل مكان الظلم، ويتفوق الأمن على الجريمة.

ولا غرابة في أن الإرهاب بكافة أشكاله استشرى مؤخرا في مجتمعاتنا العربية، لأن معظم شعوبنا آثرت المعصية على الطاعة في أعمالها وتصرفاتها، فابتعدت عن أبسط قواعد وأحكام تعاليم ديننا الحنيف، وقامت بتغليب العادات على العبادات، وتعلقت بالقشور على حساب الجذور، واستهترت بالنظام العام، والنصيحة بإحسان، وأن العمل عبادة وإتقان.

ففي عالمنا الإسلامي قلما نجد في مساجدنا ودور علمنا وأجهزتنا الحكومية مرافق نظيفة أو مواقف محددة ومنظمة لحافلاتنا. وفي وطننا العربي قلما ننتخب حكومة تفي بوعودها تجاه مواطنيها، أو وزراء محترمين يتراجعون عن قراراتهم عندما يخطئون بحقوق المراجعين. وفي مجتمعاتنا النامية قلما نسافر من مطار يسوده نظام العاملين أو تنظيم يوجه صعود الطائرات بين المسافرين، وقلما نرتاد شارعا أو طريقا يخلو من أبناء الذوات المُفَّحطين، والمرتزقة المعاكسين، أو قُطّاع الإشارة المتسرعين.

في مجال المعصية الدينية، التي أصبحت أساساً في تفريخ الإرهاب الفكري، أكدت الإحصاءات الرسمية أن الشعوب الإسلامية حققت في العقد الماضي أعلى مراتب دول العالم تأثراً بالإرهاب. وكان على رأس هذه الدول كل من العراق وسورية وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال ونيجيريا، حيث وصل عدد ضحايا الإرهاب من العراقيين إلى 33% من إجمالي ضحايا الإرهاب في العالم، بينما فاق مجموع ضحايا الإرهاب في كل من العراق وباكستان وأفغانستان نسبة 50% من ضحايا الإرهاب العالمي، وذلك نتيجة تضاعف عدد الهجمات الإرهابية في هذه الدول بنسبة 400% كل سنة منذ عام 2001. فمنذ ظهور جماعة "القاعدة" وحركة "طالبان" في أفغانستان و"بوكو حرام" في نيجيريا وتنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" في سورية والعراق، أودى الإرهاب بحياة 140 ألف شخص من خلال 9000 عملية انتحارية شنتها هذه الجماعات الإرهابية، ليشكل المسلمون 84% من الضحايا.

وفي مجال المعصية السياسية، التي أصبحت أساساً في توليد الإرهاب الطائفي، أكدت التقارير الرسمية كافة أن نتائج خرق حكومة "نوري المالكي" للنظام العراقي أكثر من 180 مرة، أثناء توليها مقاليد الحكم لمدة 7 سنوات، أدت إلى تجاهلها واستهتارها بأبسط قواعد وأحكام الحياة الكريمة للشعب العراقي، مما تسبب في إشعال فتيل الصراعات الطائفية، وتفشي الأعمال الانتحارية الإرهابية. خلال تلك الفترة أدى الانفلات السياسي إلى ارتفاع عدد الأحزاب العراقية إلى 550 حزباً، بالإضافة إلى انتشار 12 ألف منظمة مجتمع مدني، وتأسيس 126 شركة أمنية و43 جهازا من الميليشيات التابعة للأحزاب السياسية والدينية المتطرفة. وهذا ما أدى لاحقاً إلى تفاقم وتيرة التراشق الإعلامي بين مختلف الأطراف العرقية والفئات الطائفية من خلال 220 جريدة يومية و45 قناة تلفزيونية. ونتج عن ذلك زيادة نسبة الشعب العراقي الذي يعيش دون مستوى خط الفقر إلى 40%، وتدهور مستوى التعليم العام والجامعي إلى المرتبة 5 من بين أدنى المستويات العالمية. وانتهت حكومة المالكي في العراق قبل أشهر معدودة، مخلفةً مليون إمرأة أرملة، وأربعة ملايين طفل يتيم، و800 ألف شخص مفقود، و340 ألف معتقل، و3 ملايين مُهَجَّر خارج العراق، إضافة إلى تزايد أعداد المصابين بفيروس "الإيدز" إلى 76 ألف إصابة، بسبب انتشار المخدرات القادمة من إيران، والتي أقبل على تناولها الشباب العراقي نتيجة تدهور ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، التي دمرها الفساد المالي في العراق.

وفي مجال المعصية الاجتماعية، التي أضرمت فتيل الإرهاب الأخلاقي، فعلى الرغم من أن الشعوب العربية لا تملك سوى 2% من عدد السيارات في العالم، إلا أن نسبة الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق ارتفعت إلى 10% من إجمالي الحوادث في العالم، وذلك لعدم التزامنا بأنظمة المرور وقواعد وآداب الطريق، مما أدى إلى تكبد عالمنا العربي خسائر مادية زادت عن‏ 63 مليار دولار‏ في العام الماضي.‏ وتُعتبر هذه الأرقام مقلقة بشكل خاص في الدول العربية، إذ تؤدي حوادث الطرق إلى مقتل 22 شخصاً لكل 100 ألف نسمة سنوياً، مقارنة بمتوسط الدول المتقدمة، الذي لا يزيد عن 6 أشخاص لكل 100 ألف نسمة، علماً بأن سكان الدول المتقدمة، الذين لا يمثلون سوى 15% من سكان العالم، يملكون أكثر من 60% من عدد السيارات في العالم، ولا تتعدى نسبة وفياتهم من حوادث الطرق 14% ‏من مجموع حوادث الطرق في العالم‏. وهذا بسبب احترام شعوب هذه الدول للأنظمة المرورية وآداب الطريق، إضافة إلى اهتمام دولهم المتقدمة بالإنفاق على الأبحاث وبرامج السلامة المرورية، التي تجاوزت في العام الماضي ‏150‏ مليار دولار.

الدين الإسلامي كان أول من حذرنا من معصية النظام العام، واعتبرها من الأسس التي تسلب الفكر الإنساني من وعيه وقيمه، وطالبنا بتطبيق مبدأ العدالة والابتعاد عن الفوضى والتجاوزات، التي تجلب المفاسد والمضار للجميع، فمتى نقتنع بأن معصية النظام أساس الإرهاب.