أكتب هذا الأسبوع من نيويورك، حيث يهيمن على اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام موضوع محاربة الإرهاب، خاصة التحالف الدولي المطلوب لهزيمة "داعش". ومن أهم ما يُطرح ضرورة العمل على وقف الدعم الذي يتلقاه التنظيم من مواطنين في دول التحالف نفسها.
فمن أستراليا إلى الولايات المتحدة، وما بينهما، يناقش القادة والمسؤولون والخبراء في نيويورك أفضل الطرق لوقف تدفق المقاتلين إلى داعش وجميع أنواع الدعم الأخرى التي يتلقاها هذا التنظيم الذي فاق في امتداد نفوذه وبشاعة إجرامه التنظيمات السابقة، بما في ذلك "القاعدة" التي انطلق منها.
انضمت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الأخرى إلى هذا التحالف الدولي، وتُعد الحملة التي تشنها المملكة العربية السعودية ضد الإرهاب من أكثر الحملات شمولاً وفعالية، تمتد من الملاحقة الأمنية والقضائية إلى المجال الفكري والتوعوي، وتهدف إلى إقصاء تأثير داعش عن أراضي المملكة، والقضاء على أي دعم يتلقاه التنظيم، سواء من خلال الشباب الذين يتم تجنيدهم أو جمع الأموال أو الدعم الفكري.
واتضح أن لداعش مناصرين في عُمق البلاد حين أعلنت الجهات المختصة في أواخر الشهر الماضي عن تفكيك خلية في بلدة "تمير" التي لا تبعد أكثر من "160" كيلومتراً شمال مدينة الرياض، وتم القبض على تسعة أشخاص فيها، غالبيتهم من أئمة المساجد الحالين والسابقين ومدرسي تحفيظ القرآن الكريم، كانوا يقومون بتجنيد الشباب للالتحاق بالتنظيم. إذ تمكنت هذه الخلية قبل تفكيكها من تجنيد "34" شاباً، غالبيتهم بين "20" و"25" عاماً للالتحاق بالتنظيم في سورية والعراق. وظهرت صورة لأحدهم في الإنترنت تبدو صحيحة وهو يحمل، مبتسماً، رأساً مقطوعاً على طريقة "داعش" في التمثيل بضحاياها، ويُعتقد أن هذا الشاب ابن لأحد معتقلي خلية "تمير".
وفي شهر مايو من هذا العام، أعلن كذلك عن إلقاء القبض على "62" شخصاً في أماكن مختلفة من المملكة، يعتقد بأنهم من أنصار داعش والقاعدة، إضافة إلى "44" مطلوباً يجري البحث عنهم.
وفي الأسبوع الماضي، صدرت أحكام في الرياض بسجن "27" شخصاً لمدد تصل إلى عشر سنوات بتهم الانضمام إلى مجموعات إرهابية، والقتال خارج البلاد معها، وتجنيد المقاتلين لها، وتقديم الدعم المالي، واعتناق فكرها واستخدام الحلقات الدراسية لنشر ذلك الفكر.
وفي يوم الأحد من هذا الأسبوع "21 سبتمبر"، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض أحكاماً بقتل ثلاثة ينتمون لـ"خلية الـ94" الإرهابية، وسجن "17" آخرين والمنع من السفر مدداً تتراوح بين 4 و23 سنة. وشملت التهم التي أدينوا بها الانضمام إلى تنظيمات إرهابية خارج البلاد والاستعداد للقتال معها، وتشكيل خلايا إرهابية داخل البلاد، وانتهاج للمنهج التكفيري، والتخطيط لعمليات تفجيرية ضد مصالح أجنبية في الرياض، وإصدار الفتاوى الخاصة بعمليات التنظيم العسكرية والإفتاء بجواز قتل رجال الأمن والرعايا الأجانب، والتخطيط للقيام بعمليات اغتيال لعدد من المسؤولين.
ولكن التقارير التي ترد من مناطق سيطرة داعش، إن كانت دقيقة، تُشير إلى أن المشكلة أكبر حجماً بكثير مما توحي به أرقام المحكومين والمعتقلين. وربما كانت خلية "تمير" وأشباهها مجرد رأس جبل الجليد، تحته شبكة أكبر من الدعم لتنظيم داعش، يأخذ صوراً مختلفة، من تزويده بالمقاتلين والموظفين، إلى تقديم الدعم الديني لتوجهاته التكفيرية، مما يسهّل عليه إخراج عملياته وجرائمه باسم الإسلام.
ويُعتقد أن هناك آلافاً من المواطنين السعوديين التحقوا بتنظيمي داعش والقاعدة. وحسب تقرير نُشر مؤخراً، يقدر عدد السعوديين في تنظيم داعش وحده بنحو 3 آلاف شاب، كثير منهم مراهقون وأطفال. وإن صحت هذه التقديرات، فهم يشكلون نحو "10" إلى "15" بالمئة من إجمالي مقاتلي التنظيم، الذي تقدر الاستخبارات الأميركية الآن عددهم ما بين "20" ألفا إلى "30" ألف مقاتل.
ويعتمد تنظيم داعش كثيراً على العمليات الانتحارية لأغراضه العسكرية والسياسية، وتشير المواقع المتعاطفة مع التنظيم إلى أن المقاتلين السعوديين الصغار ينفذون معظم تلك العمليات، أو ما نسبته "57" بالمئة إلى "65" بالمئة منها. وتصف دعاية داعش أولئك الانتحاريين السعوديين بأنهم ملتزمون عقائدياًّ ولا يعرفون الخوف، وربما كان ذلك ناتجاً عن التضليل الفكري المنظم، إن لم نقل غسل الأدمغة، الذي يتعرض له أولئك الشباب من عقائديي التنظيم، ومنهم سعوديون.
وفي حين تظل قيادة "داعش" عراقية في معظمها، فإن جنوده يأتون من دول مختلفة، ويشكل السعوديون عنصراً مهماً في هذا الخليط. ويشمل أهم مساهمة لأعضاء التنظيم من السعوديين إعطاءه صبغة دينية تمكنه من التظاهر بأنه تنظيم إسلامي. وتشير التقارير إلى أن عدداً من "قضاة" التنظيم ومنظريه سعوديون. وباعتبارهم يأتون من مهبط الوحي وبلاد الحرمين الشريفين، يمكنهم أن يعطوا إيحاء دينياً، وإن لم يكونوا يفقهون في الدين شيئاً كثيراً. وأكثرهم فائدة هنا من يعرف المصطلحات الدينية لاستخدامها في فرمانات التنظيم وبياناته وتقاريره لإعطائها صبغة من المرجعية الدينية، وإن كانت واضحة الافتعال لدى الخبراء والعارفين، لكنها يمكن أن تنطلي على البسطاء وغير المسلمين من الأجانب.
ويبدو مقاتلو داعش السعوديون صغاراً عديمي الخبرة والتدريب، مما يفسر استخدامهم للقيام بالعمليات الانتحارية، حيث يفضل التنظيم التضحية بهم في هذه العمليات التي لا تتطلب خبرة قتالية، في حين يوفر مقاتليه المدربين للمعارك التي يشنها مع القوات الحكومية والميليشيات الأخرى.
وقلة الخبرة والتدريب تفسر النسبة العالية من السعوديين بين قتلى داعش، حيث تبلغ نسبة السعوديين منهم نحو "40" بالمئة، حسب تقارير في مواقع متعاطفة مع داعش.
وفي حين بدأ العمل العسكري ضد داعش، لانتزاع الأراضي التي بسط التنظيم سيطرته عليها، فإن مما لا يقل أهمية محاربة انتشار التنظيم خارج مناطق سيطرته الحالية، في كل بلد ظهرت فيه مؤشرات التأييد له.
ويمكن اعتبار الحملة ضد داعش في المملكة العربية السعودية إحدى أهم الجبهات ليس فقط لوقف تدفق المقاتلين الشباب الذين يُزجّ بهم في حروب التنظيم، بل كذلك لكشف حقيقته وتجريده من عباءته الدينية التي يدّعيها.