لم يصل وطننا إلى المستوى الذي يتربع فيه إلا بجهود بُذلت، وأموال طائلة صُرفت، وطرق شائكة سُلكت، وجولات متعددة كُسبت.
ولهذا، وفي مثل هذا اليوم، تجب الوقفة الفاحصة المتأملة التي نتذكر فيها نحن بأنفسنا، ونقول لأجيالنا التي نشأت في ظل وارف ونعيم، كيف وصلت بلادنا في وحدتها وإنجازاتها وتغلبها على مصاعبها ومشكلاتها إلى ما وصلت إليه.
في اليوم الوطني لبلادنا نقف لحظة ونتأمل الوطن الكيان، المملكة العربية السعودية. هذا البناء الشامخ الذي يحق لنا أن نفتخر به وبمكانته وبما تحقق فيه.
فبلادنا السعودية دولة محورية في الشرق الأوسط أولا؛ لأن ما في العالم من أحداث يتوقف على ما يحدث في المملكة بشكل أو بآخر، وبدرجة أو بأخرى، وذلك ليس لأنها تحتضن الحرمين الشريفين فقط، ومولد الرسول، صلى الله عليه وسلم، بل لأنها أكبر دولة تملك احتياطي بترول في العالم؛ ولأنها تقع في منطقة تحكم اثنين من أهم طرق التجارة والاتصالات في العالم؛ ولأن لتأسيسها قصة بطولية وقصة الرجل النادر من نوعه الذي أسسها، وجديرة بالرواية، وهي تستحق وبكل تأكيد أن تعرف من قبل دائرة أوسع من الجمهور في بقاع العالم، وفيها بطولات كبيرة للملك عبدالعزيز.
فقد تمثلت إنجازاته في البحث عن مصادر دخل للوطن، مثل العمل على تنويع تلك المصادر بين زراعة وموارد طبيعية حتى قيض الله لهذه البلاد اكتشاف النفط، ونشر التعليم، وكان تأسيس ووحدة المملكة العربية السعودية على هذا النحو أمرا يدعو إلى الفخر والاعتزاز. استمرت إنجازات الوطن على كل المستويات، وحظي الحرمان الشريفان وخدمة ضيوف الرحمن بنصيب الأسد من إنجازات البلاد على النحو الذي يراه ويلمسه كل حاج أو معتمر أو زائر للأماكن المقدسة، وكانت بلادنا مثار إعجاب المراقبين المنصفين، وهي تقف بكل ما تملكه من إمكانات بجانب الدول الشقيقة والصديقة في المحن التي تتعرض لها، ومن أمثلة ذلك الوقفة الشجاعة للملك فهد والوطن بأكملة لأشقائنا في الكويت أثناء تعرضهم لأزمتهم المعروفة، وكذلك وقوف بلادنا بجانب كل من يحتاج إليها، وتقديم المعونات التي تخفف من مصاب ومحنة الأشقاء والأصدقاء، وتتبين الحكمة في بلادنا عند تعرضها لأزمات، فانهيار أسعار البترول في الثمانينات كادت تعصف بالوطن.. وأزمة 11 سبتمبر عاصفة أخرى.. وأحداث الإرهاب والقلاقل، وزعزعة الأمن، كلها عواصف مرت بها بلادنا وحاولت وتحاول علاجها باجتهادات، نسأل الله أن توفق فيها.
ولا شك أن بلادنا الآن تمر بتحديات تتعلق بأمر البطالة والفساد والإصلاح، وكل ما يضمن مواكبة مؤسساتنا للعصر الذي نعيش فيه، ولا بد لكل فرد من أفراد هذا البلد المعطاء أن يستشعر التحديات التي تمر بها بلادنا، ولا يقتصر موقفه على النقد واتخاذ مواقف سلبية، أو التحدث بلغة المستحيل التي لا تمت للواقع بصلة، بل يجب المشاركة والتفاعل مع مشكلات الوطن، وتقديم مقترحات واقعية تستحضر الظروف والأحداث، ويمكن تطبيقها على أرض الواقع، ولم يمر على بلادنا عهد دون أن يكون فيه من الإنجازات ما يكون محل فخر. حتى وصلت بلادنا إلى هذا العهد الميمون بقيادة رائد نهضته الحالية الملك عبدالله، الذي شهد إنجازات نوعية نفخر بها ويفخر بها الوطن.
ولنعلم جميعا أنه لا يمكن لبلادنا أن تتقدم وبعضنا ساكن، ولا يمكن أن تكون بلادنا إيجابية وبعضنا سلبي، ولا يمكن أن يتوقف إسهامنا لبلادنا على النقد والتجريح والنظر إلى السلبيات.
هناك بالطبع إخفاقات وسلبيات، ونقص وعجز، لكن لا يعني هذا أن نصرف كل وقتنا في الحديث، والحديث فقط، عن السلبيات، بل لا بد أن نعمل ونقترح البدائل الواقعية التي يمكن تطبيقها.
يجب أن نعلم جميعا أن تجاوز بلادنا لمعوقات في الماضي لا يعني تجاوزها في المستقبل ونتساءل: هل ستقتفي الأجيال الجديدة أثر آبائهم للتعامل مع الخلافات وتجاوزها بنجاح؟!
لقد رسمت لنا الأجيال السابقة من القيادات والمواطنين أروع الأمثلة في التعامل مع العواصف والمشكلات والمستجدات، وكان أبرز تلك الأمثلة اللحمة القوية التي كانت الجدار المنيع، بعد الله، في التصدي لكل عاصفة قادمة، وكانت تلك اللحمة الصخرة التي تحطمت عليها كل قوى البغي والشر، وكل مخططات الأعداء، السنوات الطوال التي بنيت فيها بلادنا.. وبنيت فيها مؤسساتنا وقويت فيها لحمتنا.. وانتشر ظل أمنها الوارف ليعم كل شبر في بلادنا، بل والخطط التنموية الطموحة المعلن عنها والقادمة.. وثروات بلادنا كل ذلك يمكن هدمه بتفكير خاطئ أو نقد في غير مكانه، أو حديث غير موضوعي.
في يوم الوطن أرى أن نقف مع أنفسنا وقفة موضوعية جادة، ونحسب لتصرفاتنا ألف حساب، ونسأل أنفسنا عما إذا كانت مواقفنا في مصلحة الوطن وتقدمه وأمنه، أم أننا بفعل النظر إلى السلبيات نرتكب حماقات في حق وطننا ومستقبله وأمنه ومصالحه ومواطنيه؟ ثم إننا في كثير من الأحايين نلتزم بموقف سلبي حتى يصفنا من حولنا بالشجاعة والإقدام.. وأرجو ألا نشهد ذلك اليوم الذي نكتشف فيه أن نظرتنا قاصرة.
في يوم الوطن لا بأس أن نفكر في طريقة للنقد، وطريقة للإصلاح، وطريقة لتجاوز سلبياتنا، لكن تكون في تلك الطرق الحكمة التي بها نصل إلى الحسنيين: المحافظة على الوطن، والسعي إلى تجاوز السلبيات.
في يوم الوطن أهمس في أذن كل مواطن، بأننا لن نهزم وسنتجاوز كل مشاكلنا وسلبياتنا، ونحافظ على وطننا ونصل إلى ما نبتغيه من تقدم له ولنا، فقط إذا حافظنا على لحمتنا؛ لأننا لن نُؤتى إلا من قِبَلَ أنفسنا، فلا نسمح لأحد أن يخترقنا ويأتينا من بيننا، وكل يوم وطن والوطن ونحن جميعا بألف خير.