لم تعد فكرة الأيام الوطنية احتفاليات مجردة تزدان بألوان الأعلام الوطنية، وإنما فعاليات لرفع الحس الوطني وتأكيد القيم الوطنية لدى جميع المكونات الاجتماعية التي تتآلف وتعكس معاني التعايش الآمن الذي يعمل خلاله المواطنون بمختلف اختلافاتهم العرقية الإثنية والمذهبية والفكرية والدينية بصورة عامة، وذلك أمر يمكن ملاحظته بصورة واضحة في الدول الغربية التي تمزج اختلافات هائلة في قالب وطني صارم لا يسمح بأي اختراق لقيمة التعايش السلمي بين الشرائح الاجتماعية.

إن لم تكن أيامنا الوطنية بذات التوجهات، فإننا بحاجة إلى تطويرها لجعلها محطات يتوقف عندها قطار التعايش لنحاسب كل مخرب للتنوع الذي يفترض أن يثري الوطن لا أن يكون خصما عليه، ذلك التنوع الذي نجده في تجارب وطنية حديثة مثيرة للاهتمام كما في ماليزيا وسنغافوره التي يوجد بها حتى اليهود ويتعايشون في أجمل صور التمازج الوطني.

اليوم الوطني يجب أن يتطور إلى فعاليات تعنى بترسيخ الوطنية الحديثة التي حصلنا عليها من خلال التوحيد في وطن يمتد من رفحا إلى جازان ومن جدة إلى الدمام، ويحتضن تنوعا عرقيا ومذهبيا وفكريا قابلا لأن يكون شعلة تضيء الوطن وتعمل على رفعته واقعا وفعلا يتخطّى الشحن المذهبي والطائفي، ولا يسمح بأي اختراق أو احتراق لوطنية أحد.

إننا بحاجة في يومنا الوطني لأن نجعله انعكاسا لأجمل ما فينا من انتماء وولاء لبعضنا، وأن نجعله محاكمة شفاهية صامتة لكل ناشز فكريا ومذهبيا يريد أن يطفح بكيد مذهبي من أجل أن يشتت أبناء الوطن ويجعلهم يتمايزون مذهبيا دون حاجة إلى هذه التصنيفات البغيضة التي تكفي لتدمير مسيرة أي أمة أو شعب، لأنها ببساطة تدخلنا في دوامة معركة انصرافية تعطّل طموحاتنا الوطنية الكبيرة في التطور والتعايش.

لا وطنية حقيقية دون تعايش منطقي، لا يصطف فيه أبناء الوطن إلى كيانات غير ضرورية في المسيرة الإنسانية والتنموية، فهذا الوطن ثمرة وجهد رجال عملوا على توحيده شرقا وغربا ليمنحونا مستقبلا أفضل نعيش فيه دون مشاحنات ومشاجرات وأحقاد، وهو في الواقع يسعنا جميعا، وحتى النفوس يمكن أن تتسع لبعضنا حين نقبل بمبادئ عظيمة مثل الحوار وترك الحسابات السماوية لرب العباد وليس لنا أن نصادرها لنحاكم بها وفقا لأهوائنا كما يفعل بعض دعاة الفتنة الذين لا يستقيمون مطلقا مع مقتضيات الوطنية.

اليوم الوطني يمثلنا جميعا حين نشعر بأننا نتجذر في كيان يعطينا ويمنحنا دون من أو أذى، ولا يقفز فيه بعض الطائفيين على سلامنا الاجتماعي وأمننا الوطني، وهو لا يمثل هؤلاء لأنهم يرتكبون جريمة ليس لها من وقائع إثبات فاعلة في السياقات القانونية، ولكنهم بالفعل يدمرون عقول الكثيرين ويحولونها إلى أنفس مصادمة تحفزها الطائفية وتغذيها وتجعل بعض أبنائنا بمثابة وقود في معركة استنزافية من صنع هؤلاء.

في يوم الوطن نشعر بعظمة الانتماء وهو الشعور الفطري الذي يرتفع بمعان نجهلها أو نتجاهلها في زحام الصراع العقدي والنفسي، وأهم تلك المعاني هي التعايش الذي يعد الضامن الحاسم لشكل الدولة الوطنية الحديثة، وهو معنى وسلوك تطبيقي يجب أن نرفعه ونرتفع به إلى طموحات قيادتنا وبلدنا وحقها في التطور والنمو، فذلك هو مصدر الفخر الذي يفتح لنا كثيرا من أشكال الفخر الحقيقية التي يحق لنا أن نباهي بها غيرنا ونحن جميعا منتمون ومتآلفون ومتحاورون يستطيعون العبور من أي نفق مظلم يقود إلى تفكك المجتمعات وتضييع أمنها، بسلاسة وكياسة وسلامة.