في كل مرة أتحدث فيها مع مسؤول عن أهمية تنمية الروح الوطنية وحب الوطن في عقول أبنائه نكاد نتفق بأن من أكبر التحديات التي قد تواجه هذا المجهود تتمثل في إعادة برمجة الشعور الجمعي بأن الوطن بكيانه الجغرافي والسياسي والبشري يعد الأساس الذي يجب أن تبنى عليه مرجعية هذه الروح الوطنية، فمن هم مثلي ومن سبقوني في العمر يعلمون أن الفترة التي امتدت خلال عقدي السبعينات والثمانينات تراوح الشعور العام لدى المواطن في وعيه لمفهوم الوطن ما بين ولاءات فرعية مذهبية وإقليمية وقبلية، وهي ولاءات نتجت لاعتبارات مختلفة لعلها جميعها وقعت في سوء التقدير والنظر للأمور من منطلق عاطفي تشوبه تجاذبات سياسية عالمية لا مجال لذكرها هنا.

كنت وما زلت من المؤمنين أن الوطن بكيانه السياسي لا يمكن أن يكتسب ولاء الأبناء ما لم يكن هو المحرك الرئيس له، وأن تجلي هذا الولاء يأتي من خلال مظاهر تعبر بشكل صحي وحقيقي عنه، فما يقوم به بعض الشواذ في احتفالات اليوم الوطني من تكسير وخروج عن النظام متقمصين دور المشجعين الرياضيين ليس من الوطنية في شيء، وتغليب مصالح دول نجتمع معها في الدين مثلا أو في العرقية على مصالحنا الوطنية ليس بأي شكل نمطا من الولاء للوطن والمواطن، وكل تصرف ينطلق من خلال تعابير عاطفية مطاطة لا تخدم المصلحة الوطنية الداخلية ما هو إلا ولاء مبطن لشيء لا يمكن أن يسمى الوطن.

الجهود الكبيرة التي تقوم بها الدولة في هذه الفترة من السعي لتأصيل مبادئ الوطنية في المجتمع هو جهد لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره عملا وطنيا يجب على الجميع - مؤسسات ومواطنين - العمل معه على تثبيته في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا، فقد ثبت للجميع أن اللحمة الوطنية الداخلية والاتفاق على الولاء المطلق للوطن باعتباره الكيان السياسي الجغرافي والمرجع هو الضمان الوحيد لنا، لمستقبل مستقر ونهضة اجتماعية وفردية.

لا يمنع أن يكون الوطن مشكلا من مكونات مختلفة فذلك من البديهيات في عالم الدول والأمم، إلا أن الوطنية بمفهومها الصحيح هي النظر لكل تلك الأطياف باعتبارها قوس قزح لا باعتبارها ألوانا مستقلة بذاتها. فقوس قزح يكسب جماله بتوازي ألوانه في انحناءة رائعة لمقام الوطن.