يوما بعد آخر وثورة بعد أخرى وقتالاً بعد آخر، يثبت العرب أنهم ما زالوا في المربع الأول على مستوى وعي التطور الاجتماعي، والحاجة إلى فهم التحولات العالمية من حولهم، واتخاذ القرارات المعتمدة على الوعي لا على العاطفة، خاصة فيما يتعلق بتقرير مصائرهم كشعوب، وتبين أنهم وللأسف لم يستفيدوا كثيراً من التجارب الشعبية من حولهم، بفعل فاعل انتهازي قميء، أصل عبر أزمان متلاحقة للخوف من المجهول، وأسس لفكرة العجز واللا مقدرة، ونتيجة لمثل هذه السياسات الانتهازية، أدمنت الشعوب العربية الاقتناع بكثير من المرويات والأمثال الشعبية البائسة، التي حافظت على الروح الانهزامية واستقرارها تحت قيود بذاتها، أرادها لها مؤسس الفكرة السلبية، ولم يقف الأمر عند ذلك بل امتد ليشمل الترويج لها، وذبح إمكانية الخروج منها ولو على سبيل التجربة، ومن تلك المرويات المثبطة، ما حملته الأمثال الشعبية كـ"اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش"، و"جني تعرفه ولا إنسي تتعرف عليه"، و"عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة"، وغيرها كثير مما يمكنك أن تقيس عليه، وانتهى الأمر بالروح والفكر العربيين إلى غياب كامل لرغبة الاستكشاف وروح المغامرة، وإضعاف البحث عن فك رموز وطلاسم المجهول، وتحجيم الانطلاق والتطلع، لنكتشف اليوم أننا نتحدث عن خطوة عملاقة، لكنها لا تخصنا ولا ننتمي إليها، ونتحدث عن الفن والعلم والفكر والإبداع والحداثة، وليس لنا منها نصيب إلا ما نتداوله من حديث لا قيمة له، إلا بمقدار التأنيب الآني الضعيف، أمام جبروت ما تربى في الأعماق الثقافية والفكرية عبر قرون.

يُقال إن عباس بن فرناس حين مات وهو يحاول الطيران بأجنحة صنعها، تساءل العرب: هل مات شهيداً أم أنه مات منتحراً ليكون من أهل النار؟! بينما تساءل الغرب هل فعلاً يمكننا أن نطير ونحلق في الأعالي؟!

الواضح أننا أمام طريقتين مختلفتين في التفكير وتناول الأحداث، وترتيب الأولويات التي يجب أن ننطلق منها لرسم الفكرة الأولى عن الأشياء.

وقد رأينا في التجارب الأممية أمثلة ناصعة لطريقة تشكيل وعي الفرد الممثل لوعي الشارع، بطريقة تربي فيه التطلع إلى التجربة والتغيير من خلال خوضها، لذلك تحقق على يد الكثيرين منهم فتوحات علمية وثقافية وجغرافية وفنية، أنارت الطريق للعالم وأثرت فيه أيما تأثير، وهذا نتاج طبيعي لطريقة التربية الفكرية، وتبني الثورات الفكرية قبل ثورات البنادق والسيوف، والمدافع، والقتل والتصفية العرقية والعنصرية...

لتبقى إشكالية ضعف المقدرة على تجاوز التاريخي، عقدة أكيدة في ضمير الإنسان العربي، كإشكالية عميقة بعمق تاريخ إيمانه بالأسطورة وتاريخها، لا بالغايات من ورائها، وبالتالي ظلت حبيسة سيطرتها، من خلال الحركة بموازاتها طوال الفترات التاريخية السابقة، لتبقى داخل دوامة التعب إلى حينه، ولذلك لم تحقق الشعوب العربية أية قفزات نوعية على مستويات التنوير الفكري، وعمدت في الغالب إلى التقليد لا الإبداع، لتنتكس مجتمعاتنا وتلاحق إنتاج غيرها من المجتمعات العالمية الأخرى، ودون غيرة أو خجل من فقرها المدقع.. فيالها من سخرية.